الرئيسية / مقالات / نظرية “النوافذ المحطمة”

نظرية “النوافذ المحطمة”

أ.د. أسامة محمد عبدالمجيد إبراهيم

أستاذ علم النفس التربوي – جامعة سوهاج

في عام 1982 طرح أستاذان بجامعة هارفار – جيمس ويلسون و جورج كيلينج – نظرية في علم نفس الجريمة أطلقا عليها “النوافذ المكسورة أو المحطمة” Broken Windows Theory، وقد حظيت هذه النظرية بقدر كبير من الاهتمام في مجال مكافحة الجريمة، وكانت لها تأثيرات هائلة على أساليب عمل رجال البوليس وعلى معدل حدوث الجريمة في مدينة نيويورك.

تفترض هذه النظرية أنه لو مر شخص بحي أو مبنى به شبابيك مكسورة فسوف يفترض أن هذا الحي لا يخضع لمسؤولية أحد. وفي ظل هذا الشعور بانعدام المسؤولية يتجرأ الأفراد على انتهاك القانون، ويزداد التخريب تبعا لذلك حتى يصبح الحي مكانا تزدهر فيه الجرائم؛ فوجود النوافذ المكسورة سوف يشجع السكان والمارة على تحطيم المزيد منها، ثم يتجرأ البعض فيكسر نوافذ السيارات، ويتسع العبث ويتحول الى اقتحام البيوت وارتكاب مزيد من الجرائم الأخطر. وبشكل مشابه فإن وجود بعض المخلفات البسيطة في الشوارع يشجع المارة على ارتكاب المزيد من الحماقات، بدءاَ من السلوكيات الخارجة التي يفسد الذوق العام، وانتهاءً بالجرائم الخطيرة التي تذهب أمن المجتمع!

هذه النظرية تقول لنا إن الانسان لديه قدرة على الانضباط والالتزام بالقوانين والآداب العامة متى توفرت له البيئة المشجعة على ذلك، وسرعان ما ينفك من هذا الالتزام عندما يرى الانفلات من حوله! إن التسامح إزاء المخالفات البسيطة من شأنه أن يحفز ويشجع على ارتكاب جرائم أكثر خطورة. وهذا يعني عمليا أن الأحياء التي تغطيها القمامة والكتابة على الجدران هي أكثر عرضة لارتفاع معدلات الجريمة. إن عدم التهاون مع المشكلات الصغيرة والقضاء عليها سوف يؤدي بالضرورة إلى القضاء على المشكلات الكبيرة!! هذه النظرية تأتي مخالفة لمفاهيم ترى الاهتمام بالمشكلات الكبرى وتأخير النظر في المشاكل الصغيرة أو حتى تجاهلها.

قبل طرح هذه النظرية من قبل ويلسون و كلينغ، قام فيليب زيمباردو – عالم نفس بجامعة ستانفورد- في عام 1969بإجراء تجربة لاختبار الفكرة التي انبثقت منها هذه النظرية. في هذه التجربة أحضر زيمباردو سيارة بدون لوحات ورخص أو حتى غطاء محرك وأوقفها في حي برونكس (حي له تاريخ في السرقة وبه ممتلكات مهجورة)، وفي نفس الوقت وأوقف سيارة ثانية بنفس المواصفات في حي بالو ألتو (أحد الأحياء الراقية) بكاليفورنيا. في حي برونكس، تعرضت السيارة للهجوم في غضون دقائق من هجرها. وذكر زيمباردو أن أول “مخربين” كانوا عائلة – أب وأم وابن صغير – قاموا بإزالة تكييف السيارة والبطارية. وفي غضون أربع وعشرين ساعة من تركها، تم تجريد السيارة من كل شيء ذو قيمة منها (تماما كمشهد سيارة فؤاد المهندس في مسرحية سيدتي الجميلة). وبعدها، توالت عمليات التحطيم لباقي السيارة، واستخدم الأطفال السيارة كملعب. في الوقت نفسه، ظلت السيارة الثانية في بالو ألتو لم يمسها أحد لأكثر من أسبوع حتى ذهب زيمباردو نفسه إلى السيارة وحطمها عمدا بمطرقة. وبعد فترة وجيزة، شرع آخرون في تحطيم السيارة. ولاحظ زيمباردو أن غالبية “المخربين” البالغين في كلتا الحالتين كانوا أفرادا يرتدون ملابس جيدة ونظيفة – على ما يبدو كانوا أشخاصا “محترمين”. في ضوء ذلك أشار زيمباردو أنه في الأحياء المهجورة التي تنتشر فيها السرقة، من المتوقع أن يحدث التخريب بسرعة أكبر بكثير كما يبدو أن أفرد هذه الأحياء عموما يبدون غير مبالين. وقد تحدث وقائع مماثلة في أي مجتمع متحضر عندما يتم انتهاك قواعد الاحترام المتبادل والالتزام بالكياسة.

لقد وصف علم نفس الجريمة وواضعو السياسات نظرية النوافذ المحطمة بأنها معركة مع الاضطرابات غير المعالجة (البسيطة) التي قد تثير نشاطا إجراميا، وبالتالي، فإن جذور خفض معدل الجريمة تكمن في مكافحة السلوكيات السابقة للجرائم.

إن الجريمة المنظمة قد تأتي من تجاهل جرائم فردية صغيرة تترك ليأتي منها فيما بعد جرائم إرهابية. وقد تنشأ ثورات كاملة من أحداث تغيب فيها العدالة الاجتماعية. وقضايا الفساد الكبرى في الدول والمؤسسات قد تبدأ من التساهل مع قضايا الفساد الصغيرة. فكما يقول المثل: معظم النار من مستصغر الشرر.

وتقترح نظرية النوافذ المكسورة إن المحرك الحقيقي للجريمة هو الفوضى نفسها. ووفقا لهذا الرأي، فإن النوافذ المكسورة والمباني المهجورة والقمامة والتسكع تتسبب في بقاء الأفراد المسالمين في منازلهم أو الانتقال من الحي بالكامل. وتذهب النظرية إلى أنه يجب أن يتم تحديد الأفعال التي تخيف الناس، كأهداف لرجال الأمن، وألا يترك المجرمون أحرارا في التجوال بما يرسل رسالة مفادها أن انتهاك القانون لا يؤخذ على محمل الجد. وتركز نظرية النوافذ المكسورة التي تمثل استراتيجية عمل الشرطة في بعض البلدان في معالجة قلق المجتمع بشأن السلامة العامة.

تفترض نظرية النوافذ المكسورة فكرة أساسية عن الفوضى وعلاقتها بالإدراك، فالتلميحات البصرية التي ترسلها هذه الممارسات تكون واضحة ولا لبس فيها وطبيعية في معناها، وكان أكبر اختبار للنظرية في مدينة نيويورك، فقد كان لتطبيق هذه النظرية تأثير كبير جدا على اختفاء الجريمة من أحياء المدينة، حيث يعزى الانخفاض الكبير في الجريمة إلى “الحفاظ على النظام”. وقد تم تنظيف الأجزاء المتهدمة من المدينة، وركزت الشرطة أكثر على مشاكل مثل التسول، والقفز فوق الأبواب، حتى أن الشرطة قبضت على الأفراد الذين ينظفون الزجاج الأمامي للسيارات عند إشارات المرور!

ولكن يبدو أن عدم التسامح مع الانتهاكات الصغيرة قد يؤدي إلى عدم التسامح حتى التجاوزات الطفيفة. وهذا هو بالضبط ما حدث وأدى إلى ما يشبه الحرب على الفقراء ومزيد من الممارسات التي مثلت نوعا من العنصرية والقسوة أيضا؛ فقد حرص عمدة نيويورك على فرض القانون والنظام وتنفيذ سياسة عدم التسامح مطلقا، مما أدى إلى زيادة كبيرة في الاعتقالات لارتكاب جرائم مثل ركوب الدراجة الرصيف، ولعب الموسيقى الصاخبة. وهنا يجب الانتباه إلى الوجه الآخر أيضا وهو أن العنف في مواجهة المخالفات البسيطة من الفقراء، والمشردين، والشباب قد ينتهك حرية الأفراد، وقد يفتح الباب أمام ممارسات مسيئة في حقهم، وما زالت المناقشات حول هذه القضايا مستمرة ومشحونة بانفعالات قوية.

أخيرا، لقد أثارت نظرية “النوافذ المكسورة” الكثير من النقاش ودعت رجال الشرطة إلى تأمل التطبيقات الممكنة لهذه النظرية، وربما كانت أفضل هذه التطبيقات تتمثل في إشراك المجتمع في تطبيق النظام، والحد من التطبيق العدواني للقواعد، والاهتمام بتنظيم الأحياء ونظافتها، وإنشاء نظام يمكن الجمع بين ضبط النظام وبين مبادرات تجميل الأحياء الفقيرة ورفع جودة الحياة فيها.

إن الفوضى والجريمة كالدائرة المغلقة التي لا يُدرَى أين طرفاها، حيث يغذي كل منهما الآخر، وإصلاح “السلمة المكسورة” ضروري قبل الحديث عن الانزلاق فيها.

ودمتم جميعا ودامت أوطاننا بأمن وسلام ..

عن admin

شاهد أيضاً

التعليم عن بعد في ظل جائحة كورونا : رسائل إلى المدارس والمربين

د. أسامة إبراهيم  أستاذ علم النفس التربوي – جامعة سوهاج – ينبغي ألا نركز على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *