الرئيسية / أبحاث / التَّربيَة بالحكمة: الدوافع والمكتسبات

التَّربيَة بالحكمة: الدوافع والمكتسبات

التَّربيَة بالحكمة: الدوافع والمكتسبات

أ.د/ أسامة محمد عبد المجيد إبراهيم

أستاذ علم النفس التربوي بجامعة سوهاج – جمهورية مصر العربية

تعد الحكمة أحد أهم دعائم رأس المال الاجتماعي التي يكتسبها الأفراد على مدار حياتهم، وهي تمثل رافداً وإرثا ثقافيا للأجيال القادمة في أي مجتمع. مثلت الحكمة موضوعا محوريا في الفلسفات القديمة، لا سيما فيما يتعلق بالدين والفلسفة، بيد أنها لم تكن موضوعاً للبحث العلمي.

تمثل الحكمة موضوعاً شيقاً للبحوث التربوية لسببين على الأقل؛ أولاً، لأن دراسة الحكمة تؤكد السعي نحو التحسين المستمر، والتطور الثقافي والنوعي لحالة الإنسان. ثانياً، لأن الحكمة تمثل أحد المفاهيم التي تجسر العلاقة بين العمليات المعرفية والعاطفية والدافعية. وقد وُصِفَت الحكمة في الكتابات النفسية المبكرة بأنها “نقطة نهاية مثالية للتطور الإنساني”. ويذهب بعض التربويين إلى حد اقتراح “الحكمة كهدف رئيس للتربية”.

وتركز النظم التربوية الحديثة على إكساب المتعلمين ليس فقط المعرفة، ولكن أيضاً الاستخدام الحكيم لهذه المعرفة. وفي هذا الإطار، تعمل النظم التعليمية المتقدمة على إتاحة الفرصة للتفاعل بين الأجيال لنقل الخبرات والمعرفة المتراكمة لدى الكبار لاستخدامها في تلبية الحاجات الأكاديمية والاجتماعية.

وينطوي تطور الحكمة على جهد فعال ومستمر بين الأفراد والسياق البيئي والثقافي الذي ينشأوون فيه. وقد أظهرت العديد من برامج تحصين الشباب أن تحقيق الكفاءة الاجتماعية والانفعالية تؤثر تأثيرا إيجابياً على نمو الشباب، وتُحسِّن مخرجات التعلم.  وطرح بعض الباحثين “الحكمة” كمؤشر على المحصلة النهائية لمخرجات التعلم في المرحلة الجامعية.

وتوفر بحوث علم النفس، بتركيزها على التفكير والسلوك، في سياق اجتماعي، أرضية مثالية للأعمال عبر الثقافية عن الحكمة. وعلى النقيض من مواضيع عديدة في مجال البحوث النفسية، فإن مفهوم “الحكمة” يتمتع بخلفية تاريخية وفكرية ثريّة، ويحمل العديد من الارتباطات الدينية والفلسفية التي تبدو أنها تتحدى إخضاعها للدراسة التجريبية.

منذ بداية البحوث النفسية عن الحكمة، ظل السؤال عن ماهية “الحكمة” هو السؤال الأكثر أهمية. يرى البعض أن يقتصر استخدام مفهوم “الحكمة” أو “الحكيم” على المسائل الوجودية والقضايا غير اليقينية في الحياة، حيث يُدعَى الشخص أو القرار “حكيماً” فقط عندما تتوافر فيه مجموعة من المعايير بشكل كامل. وقد ارتبط مفهوم الحكمة بإتقان الجدل حول القضايا الجوهرية التي تشكل أو تصوغ الوجود البشري، مثل العلاقة الجدلية بين الخير والشر، والإيجابية والسلبية، والتبعية والاستقلال، واليقين والشك، والتحكم والافتقار إلى السيطرة، والفناء والخلود، والقوة والضعف، والإيثار والأنانية. وتحتضن الحكمة كل هذه التناقضات في الحياة، ويستل الأشخاص الحكماء من خلالها الاستبصارات الحكيمة.

يعتقد عالم النفس روبرت ستيرنبيرغ أن “الحكمة ما هي إلا القدرة على الموازنة بين الأمور، فالشخص الحكيم هو الشخص الذي لديه القدرة على الموازنة العقلية بين نتائج الأمور على المدى القصير والمدى البعيد، وبين المصلحة الشخصية ومصالح الآخرين، وذلك مع التفكير في جميع الخيارات المتاحة، وفقا للوضع القائم، أو من خلال السعي لتشكيل وضع جديد”. وفقا لهذه الرؤية، فإن ما نحتاج إليه هو أن نحاول أولا أن نعرف المصالح المختلفة التي يمكن أن تتضمنها أي معضلة تمر بها، سواء على المدى البعيد أو على المدى القصير، مع الانتباه إلى الظروف المتغيرة المحيطة بالموقف، وكيف يمكن أن تتشكل.

ولا يتصور وجود الحكمة دون فضيلة؛ فالحكمة في جوهرها هي الجمع بين كمال العقل والفضيلة. وفي هذا الصدد ميز الباحثون بين الحكمة والذكاء، فقد يكون المرء ذكيا لكنه لا يكون حكيما. فالشخص الحكيم لا يغيب مطلقا عن نظره الصالح العام، فأي قرار لا يأخذ في الحسبان الصالح العام لا يعد قرارا حكيما، وإن اتصف بالذكاء.

وذكر الباحثون قائمة طويلة من الصفات التي تميز الحكماء، كعمق التفكير، والهدوء في أوقات الأزمات، والقدرة على الرجوع خطوة للوراء، والقدرة على رؤية الصورة الكلية للأمور، وقدرة على تأمل الذات، وإدراك حدود معرفتهم الخاصة، والتفكير في البدائل، وإدراك حقيقة أن العالم يتغير على الدوام.

وتتضمن الحكمة المعرفة العميقة بالحقائق مما يجعل الفرد قادرًا على الحكم الجيد على الأمور الجوهرية في الحياة التي يحيط بها الشك، كما تتضمن الفهم العميق للذات وللآخرين، والاستخدام النشط للمعرفة، والقدرة على التعلم من الأفكار والبيئة، مع حدِّة الذهن، والبصيرة ، والقدرة على إصدار الأحكام.

ويعد الانفتاح العقلي أحد الخصائص الشخصية المهمة التي تسهم في تطور الحكمة. وقد اقترح البعض أن القدرات المتداخلة بين الذكاء والشخصية التي تتعلق بالحكمة تتضمن الذكاء الاجتماعي والمنطق الأخلاقي، والإبداع. ومن حيث الأداء النفسي للشخصية الحكيمة، هناك ثلاثة جوانب ينبغي أن تتكامل في هذا السياق: بصيرة عميقة وواسعة عن الذات والآخرين والعالم؛ وتنظيم العاطفة وما يتطلبه ذلك من تسامح مع الغموض؛ وتوجه يتجاوز المصالح الذاتية واستثمارها في رفاه الآخرين والعالم (الإيثار).

وينظر البعض إلى الحكمة كــ “موجهات عالية الرتبة” تنظم المعارف والاستدلالات والمعينات التي تتوفر للأفراد عند إدارة التخطيط، وتقييم القضايا الأساسية للحياة. وتتفق هذه الرؤية عن الحكمة مع آراء أخرى ترى أنها تتطلب إلمامًا بمعارف عميقة وخبيرة أو الاستخدام الخبير للمعرفة. وقد وصفت أنواع المعرفة المرتبطة بالحكمة بأنها تتضمن كفاءة وفهم استثنائي، ومعارف تقريرية وإجرائية ثرية، وإدراك لحدود المعرفة، وأحكام تأملية.

يعكف علماء النفس على دراسة الحكمة محاولين الإجابة عن سؤال قديمة: هل الحكمة يمكن اكتسابها؟ .. الجيد هو أن الكثير من الباحثين يرون أن ذلك ممكنا.

لا يعتقد الباحثون أن الحكمة مجرد سمة فطرية إما أن تُولَد معنا أو لا نمتلكها على الإطلاق. هذه النظرة تحمل الكثير من التفاؤل، فهذا يعني أنه يمكننا السعي من أجل إنشاء جيل أكثر حكمة، على الأقل في بعض الأحيان. فقد تبين للباحثين أن البعض يبدون حكماء في بعض الموقف، ولا يكونون كذلك في مواقف أخرى، أي أننا لا نكون حكماء طوال الوقت.

ينظر بعض الباحثين إلى الحكمة كمرحلة متقدمة من النمو العقلي تتخطى مرحلة العمليات المجردة لدى بياجيه، وهي مرحلة ما بعد العمليات المجردة. في هذه المرحلة، يكون الفرد أكثر قدرة على النظر إلى المشكلات من زوايا ووجهات نظر متعددة، وأن يفكر تفكيراً تأملياً وجدلياً بشكل أفضل، وأن يتواصل مع السياقات المعقدة والمشحونة انفعالياً بشكل أكثر تمعناً.

ويبلغ تطور الحكمة ذروته في مرحلة البلوغ في صورة نمو ذاتي إيجابي وتفكير مميز لمرحلة ما بعد العمليات المجردة، حيث يفتقد الأشخاص أثناء السنوات المبكرة من البلوغ إلى التعقيد المعرفي، ومهارات التفكير المجرد اللازمة لاتخاذ قرارات عقلانية، مما يحد من القدرة على التصرف بحكمة. ومع التقدم في العمر، يساعد النمو المستمر في النواحي المعرفية والانفعالية والاجتماعية على اكتساب الحكمة.

وقدمت بحوث الحكمة أدلة على الدور الذي تقوم به بعض الظروف الحياتية، مثل أحداث الحياة المتحدية، في تيسير تطور الحكمة، لأنها تزيد من التمايز من خلال تغييرات التكيف، والتي تؤدي بدورها إلى مزيد من التسامح مع الغموض وعدم اليقين، وميل أقل نحو تصور الأفكار على أنها حقائق ثابتة، وميل ضعيف نحو الأنانية. ويمكن للخبرات الإيجابية أيضاً أن تيسر الحكمة عن طريق تعزيز التكامل والتماسك. وقد تتوسط القيم الثقافية هذه الخبرات.

وتشير بعض الأعمال التجريبية أن العديد من لبنات الحكمة الهامة تنبثق خلال مرحلتي المراهقة والشباب، وأن مرحلة المراهقة تعد فترة حاسمة لتطور الحكمة. وعلى الرغم من أنه من غير المرجح أن يكون طلاب الجامعة قد حققوا مستويات عالية من الحكمة، فإن تطور الحكمة كمتصل يتوزع عليه جميع الأفراد، بمن فيهم طلاب الجامعات، يمكن أن تمثل موضوعا للدراسة.

ويعتقد بعض الباحثين أن الحكمة تتطور كلما تقدم بالإنسان العمر، إلا أن بعض الأعمال التجريبية تؤكد أن العديد من البذور الهامة للحكمة تنبثق خلال مرحلتي المراهقة والشباب. وهناك من الشواهد ما يدعم فكرة أن المراهقة فترة حاسمة في تطور الحكمة.

وقد نصت استراتيجية التنمية الشاملة بعيدة المدى لدول مجلس التعاون لأعوام 2000-2025 على أن غايتها المحورية هي تحقيق مسيرة تنموية مستدامة ومتكاملة لدول المجلس في كافة المجالات وصولا إلى الارتقاء المتواصل بنوعية الحياة فيها، وتحقيق قدرة ذاتية للتكيف مع مستجدات وتحديات القرن الحادي والعشرين. ولا شك أن تحقيق هذا الهدف لا يتأتى بدون بناء جيل قادر مفكر وحكيم؛ فالمجتمعات العربية تواجه اليوم عددا من التحديات، بما في ذلك الحاجة إلى التنمية المستدامة، والتوزيع غير المتكافئ للثروة والموارد والصراعات المختلفة.  كما تعاني الثقافة في المجتمعات العربية الآن من مجموعة متنوعة من الاتجاهات السلبية التي كثيرا ما عكست وعززت في مجال التربية والتعليم. وتشمل هذه الاتجاهات المتزايدة تناقص الشعور بالماضي والمستقبل لصالح الحاضر، وانخفاض قيمة التفكير الناقد لصالح السطحية والإثارة، والاستهلاك المفرط للسلع وتسويقها. وفيما يتعلق بالتعليم، هناك تركيز متزايد على المبتكرات ذات التكنولوجيا الفائقة، والراحة والسرعة أكثر من العمق، والعمل الجاد، والتفكير المستمر، والأنانية على حساب المسؤولية الاجتماعية وحب المعرفة؛ والاتجاه نحو تقديم تعلم مجزأ  بدلاً من تقديم منهج تعليم متكامل. وفي هذا السياق، تمثل الاهتمام بغرس التفكير القائم على الحكمة  أحد أهم مخرجات التعليم التي يجب أن تسعى العملية التعليمة إلى غرسها في نفوس النشء.

خلاصة القول: إن الحكمة هي أعلى مراحل الارتقاء الإنساني، وبلوغ هذه المرحلة يتطلب جهدا لمواصلة النمو في النواحي العقلية والاجتماعية والعاطفية والأخلاقية، وقدرا من التكامل بين الأبعاد العقلية والوجدانية والأخلاقية، وإلماماً بمعارف تقريرية وإجرائية وسياقية. يحدث تطور الحكمة على مدار الحياة، وتعد مرحلتا المراهقة والشباب حاسمتين في تطور لبنات الحكمة.

تناقش بعض الكتاب المعاصرين أن التركيز على الحكمة في التعليم سوف يفيد إلى حد كبير المجتمع الحديث والممارسات التربوية.  وإذا افترضنا أن الحكمة تؤثر بقوة على حل المشكلات واتخاذ القرار في عالمنا المعاصر، فإننا بالتركيز على الحكمة كهدف رئيس للتربية يمكن أن نحرز تقدماً كبيراً في حل المشكلات الاجتماعية اليوم، وسنوجد عالما أفضل للغد. بالإضافة إلى ذلك، ينبغي أن يكون السعي إلى تحقيق وممارسة الحكمة هو أحد الركائز الرئيسة للتعليم، وأن تكون الحكمة السمة المركزية التي نمارسها كمعلمين، والفضيلة الأساسية التي نحاول غرسها وتنميتها في طلابنا. إن تنمية الفضائل والقيم الأخلاقية، وليس مجرد تراكم للمعارف والمهارات، هو ما ينبغي التركيز عليه في صميم التعليم والتساؤل الاكاديمي.

ويجب أن تعمل الجامعات في هذا الصدد على زيادة فرص التواصل بين الطلاب والخبراء البالغين بما يسمح للشباب من الاستفادة من النصح والإرشاد ومن حكمة ونضج وخبرات الكبار في هذه المرحلة المهمة من تطور الشباب. ويجب أن تهيئ الجامعات بيئة ميسرة لنمو علاقات جديدة وتقديم الدعم من خلال التفاعلات الاجتماعية القائمة به، وأن يكون هذا السياق العام بالجامعات مصدراً  لحل المشكلات المتبادلة، وإعطاء القدوة والتغذية الراجعة والتعزيز والدعم والتدريب على اتخاذ وإصدار القرارات.

ويجب أن يتضمن إعداد الطلاب محاضرات ومناقشات وتمرينات تصمم لتزويد الطلاب بالمهارات اللازمة لفهم الذات والحياة وإصدار الأحكام وحل الصراعات ومهارات الاتصال التي تتضمن التفاوض لحل المشكلات، ومهارات الاستماع، والتعاون وبناء الفريق. هذا من شأنه أن يساعد على تحفز التفكير الجدلي والتكاملي والمرونة المعرفية لدى الطلاب ويعلمهم مهارات حياتية قيمة، ومن ثم اكسابهم مزيداً من الحكمة في التعامل مع الحياة واتخاذ القرارات.

ليس الأمر كما لو أننا سننشئ جيلا من الحكماء كـ “لقمان الحكيم”، لكن سوف يكون لدينا جيلا أكثر حكمة من ذي قبل.

 

 

 

عن admin

شاهد أيضاً

القدرة المكانية Spatial Ability

د. أسامة محمد إبراهيم أستاذ علم النفس التربوي – جامعة سوهاج أول من اكتشف القدرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *