الرئيسية / مقالات / شروحات ما بعد الحقائق

شروحات ما بعد الحقائق

أ.د. أسامة محمد إبراهيم

أستاذ علم النفس التربوي – جامعة سوهاج

(1)

تؤكد نتائج البحوث التي استمرت لأكثر من عقدين أننا مخادعون، بما يسميه عالم النفس بيل ديفيد (درع وهم الموضوعية)، ففي الوقت الذي نعتقد جازمين أننا متجردون من التحيز، نستطيع أن ندرك بسرعة كبيرة تحيز الآخرين وعدم تحليهم بالموضوعية، وقد تكون هذه التحيزات غير المدركة أو الضمنية، مخالفة لمعتقدات صريحة وواضحة، وقد نعتقد بثقة أنه لا يوجد لدينا أي تحيز أو تضارب في المصالح، أو تأثيرات سابقة، في الوقت الذي يكون هذا كله محض خداع … في كثير من المواقف قد نعتقد بثقة عالية واقتناع أننا في مأمن عن التحيز أو تضارب المصالح، لكن تكشف البحوث النفسية تحيزات اللاوعي المعاكسة وغير المتعمدة أننا قد نسمح أحيانا عن غير قصد أو بغير وعي بعمليات التحيز أن تمارس تأثيراتها علينا

 

(2)

يميل الأفراد إلى الحكم على جودة قرار ما من عدمه بالنظر إلى نتائجه ويتناسون أن جودة هذا القرار أو صوابه ينبغي أن يحكم عليها بالنظر إلى المعلومات التي كانت بين يدي من اتّخذ القرار عندما اتّخذه. هذا الخطأ الدارج في الحكم على قدرات صانع القرار بالنظر إلى نتائجه بعد أن تقع أو تحدث يطلق عليه مصطلح الانحياز/ التحيّز إلى النتائج.

 

(3)

تأثير الترسية هو شكل من أشكال التحيز المعرفي الذي يجعل الفرد يركز على أول معلومة تقدم له عند اتخاذ القرار. وهذا يؤثر بشكل خاص على القرارات المتعلقة بالقيم العددية كما يحدث عند تسعير قيمة أرض أو شقة أو أي سلعة، حيث يضع المشتري في ذهنه عند اتخاذ قرار الشراء القيمة المرساة (Anchor) التي ذُكِرت له في البداية. وكثيرا ما يُستغَل تأثير الترسية في حالات البيع لتحديد أسعار المنتجات. فعندما يعلن البائع سعر ترسية مرتفع ثم يخفض سعر البيع (إلى القيمة التي كان ينوي البيع بها)، فإن السعر المرساة Anchor يظل يمارس تأثيره كنقطة ارتكاز، مما يجعل سعر البيع الجديد يبدو وكأنه صفقة أفضل. وعندها ستكون سعادتك أكثر استعدادا لاتخاذ قرار الشراء، مما كنت ستكون عليه إذا كان المنتج قد عرض بسعره المنخفض من البداية. أيضا حينما يشتري أحدنا سيارة مستعملة، قد يركز البائع بشكل كبير على سرعة السيارة أو سنة إنتاج السيارة، ويستخدم ذلك كأساس لتقييم قيمة السيارة، بدلاً من اعتبار مدى صلاحية المحرك، وقد يخدعنا ذلك أيضا عند اتخاذ القرار.

 

(4)

تأثير التأطير هو أحد الأمثلة على الانحياز المعرفي عند عرض بيانات حول قضية ما … حيث يتفاعل الناس مع البيانات أو القرارات بطرق مختلفة اعتمادا على كيفية طريقة عرضها، فقد يختلف موقفنا تجاه قرار ما حينما نقول إن 80% يؤيدون لهذا القرار عنه عندما نقول إن 20% من الناس لا يؤيدون هذا القرار؛ أو أن احتمال نجاح هذا العملية 90% ، عن أن تقول إن نسبة فشلها تصل إلى 10% … هذا على الرغم من أن النتيجة لا تزال هي نفسها ولكن بكلمات مختلفة .

 

(5)

في مواقف الصراع، يؤثر “التفضيل العاطفي” الذي يشعر به المرء نحو أحد طرفي الصراع في قدرته على تفهم وجهة نظر الجانب الآخر؛ ففي حالة الإعجاب الشديد بأحد طرفي الصراع، يكون من الصعب على المرء تفهُّم وجهة النظر المقابلة، وعندما لا يملك الفرد تفضيلاً قوياً لأحد طرفي الصراع، فإنه في الغالب يتبني وجهة نظر أكثر توازناً … وربما يفسر ذلك حكمة الفرد عند تقديمه المشورة في الأمور التي لا ترتبط به شخصيا، وعجزه عن ذلك عندما يتعلق الأمر بشيء يخصه. لذلك قد يكون الفرد ذو القدرة العالية على الجدل “مثالا للعقلانية” والنضج عندما يكون بعيدا عن القضية محل النقاش، في حين يكون “مثالا للحماقة” عندما يحمل تفضيلا شخصيا قويا لمواقف محددة سلفا …

 

(6)

تُطوِّر عقولنا بصورة نمطية “تفسيرات ما بعد الحقائق”؛ أي مسوغات أو مبررات لأفكارنا ورؤانا الشخصية. هذا النوع من التبرير اللاحق للأفكار يخيم على مختلف أنواع التفكير، فنحن نستعمل التفكير لتأكيد مصداقية ما نؤمن بصحته وليس من أجل التعامل معها بطريقة عقلانية؛ ذلك أن دافعنا لذلك وآليات اتخاذنا للقرار هو بالأساس التبرير الذاتي. فنحن نقبل بالدليل الذي يؤكد معتقداتنا. في حين نرفض الأدلة الذي تتناقض مع وجهة نظرنا بكل سهولة. ولهذا، فإننا نتخذ قراراتنا بخصوص ما يدور حولنا استنادا إلى ما نؤمن أنه صواب، ونحن نؤمن بما يناسبنا.

 

 

عن admin

شاهد أيضاً

القدرة المكانية Spatial Ability

د. أسامة محمد إبراهيم أستاذ علم النفس التربوي – جامعة سوهاج أول من اكتشف القدرة …

2 تعليقان

  1. مقالات رائعة جدا جدا

  2. أعجبت كثيرا بهذة المقالات نرجوا من سيادتكم حفظ بريدنا الالكتروني وارسال كل المقالات لنا عبرة مع الشكر الجزيل لحضرتكم ونتمني لكم التوفيق والسداد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *