الرئيسية / Uncategorized / علم النفس في خدمة البشرية

علم النفس في خدمة البشرية

د. أسامة محمد إبراهيم

أستاذ علم النفس التربوي – جامعة سوهاج

يستخدم العامة مصطلح النظرية بمعنى التخمين أو الحدس أو الافتراض. لكن معنى النظرية في المجالات العلمية  ليست مجرد تخمين، بل هي إطار مفاهيمي قائم على حقائق لوصف الظاهرة ما.  تقدم النظرية العلمية تفسيراً لظاهرة سلوكية أو طبيعية مدعومة بمجموعة من التجارب والأدلة. فهي تقدم مفهوما أو فكرة يمكن للعلماء التحقق منها من خلال البحث التجريبي، وجمع الأدلة التي تدعم أو ترفض هذه النظرية.

ما يجعل النظرية مختلفة عن مجرد التخمين أو الحدس هو أن النظرية قابلة للاختبار. ومع ظهور أدلة وأبحاث جديدة، يمكن عندئذ تنقية هذه النظرية أو تعديلها أو حتى رفضها إذا لم تتناسب مع أحدث النتائج العلمية.

وفي مجال علم النفس، تستخدم النظريات لتوفير نموذج لفهم الأفكار والعواطف والسلوكيات الإنسانية.

وتشتمل النظرية النفسية على عنصرين رئيسين؛ أن تصف السلوك، وأن تصدر تنبؤات حول السلوكيات المستقبلية. وخلال تاريخ علم النفس، اقترحت العديد من النظريات التي تشرح جوانب مختلفة من السلوك البشري والتنبؤ به. بعض هذه النظريات صمدت أمام اختبار الزمن وظلت مقبولة حتى اليوم. والبعض الآخر لم يصمد أمام التدقيق العلمي، وربما رفضت كلياً أو قبلت جزئياً فقط.

وقد أسهمت كل نظرية في تعزيز قاعدة معارفنا حول العقل والسلوك البشري. على سبيل المثال، لا تزال نظريات الاشتراط الكلاسيكي مقبولة حتى اليوم، في حين لم تصمد نظرية فرويد بشكل قوي وتم استبدالهم في الغالب بنظريات جديدة تشرح التطور البشري بشكل أفضل، وإن كانت أفكاره ما زالت تلهم الكثير من الأعمال النفسية والعلمية والأدبية على مر الزمن.

هناك العديد من نظريات علم النفس، ولكن يمكن تصنيف معظمها على ضمن أربعة أنواع رئيسية:

النظريات التطورية: توفر النظريات التطورية مجموعة من المبادئ والمفاهيم التوجيهية التي تصف وتشرح التطور البشري. تركز بعض نظريات التطور على بنية خاصية معينة، مثل نظرية كولبيرغ للتطور الأخلاقي. وتركز نظريات تطور أخرى على التطور الذي يحدث طوال فترة الحياة ، مثل نظرية إريكسون للتطور النفسي.

النظريات الكبرى: النظريات الكبرى هي تلك الأفكار الشاملة التي اقترحها المفكرون الرئيسيون مثل سيغموند فرويد، وإريك إريكسون، وجان بياجيه وغيرهم. تشمل النظريات الكبرى للتطور نظرية التحليل النفسي، ونظرية التعلم، والنظرية المعرفية. تسعى هذه النظريات إلى شرح الكثير من السلوكيات البشرية، لكنها غالبًا ما تُعتبر قديمة وغير مكتملة في مواجهة الأبحاث الحديثة. غالباً ما يستخدم علماء النفس والباحثون النظريات الكبرى كأساس للاستكشاف، لكنهم ينظرون إلى نظريات أصغر وأبحاث حديثة أيضًا.

نظريات صغيرة: تصف النظريات الصغيرة جانبًا صغيرًا جدًا من التطور، فقد تفسر نظرية مصغرة بعض السلوكيات المحدودة نسبيا، مثل كيفية تكوين احترام الذات أو التنشئة الاجتماعية في مرحلة الطفولة المبكرة. وغالبًا ما تكون هذه النظريات متجذرة في الأفكار التي وضعتها النظريات الكبرى، ولكنها لا تسعى إلى وصف وشرح السلوك البشري والنمو الكامل.

النظريات الناشئة: النظريات الناشئة هي تلك التي تم إنشاؤها مؤخرا نسبيا، وغالبا ما يتم تشكيلها عن طريق الجمع بين النظريات البسيطة المختلفة. هذه النظريات غالباً ما تعتمد على أبحاث وأفكار من مختلف التخصصات، لكنها ليست واسعة النطاق أو بعيدة المدى مثل النظريات الكبرى. النظرية الاجتماعية الثقافية التي اقترحها فيغوتسكي هي نموذج جيد لهذا النوع من النظريات.

وتركز بعضا من أفضل نظريات علم النفس المعروفة على فروع محددة داخل علم النفس، وسوف أذكر لكم هنا بعضا من هذه النظريات أو الفروع:

النظريات السلوكية: يقدم علم النفس السلوكي نظريات التعلم التي تأسست على فكرة أن جميع السلوكيات يتم اكتسابها من خلال عملية نفسية تسمى “الاشتراط”. حمل لواء هذا النهج عدد من علماء النفس المشهورين مثل: بافلوف، واتسون، وسكينر، خلال النصف الأول من القرن العشرين. واليوم ، لا تزال التقنيات السلوكية تستخدم على نطاق واسع في تعديل السلوك والعلاج النفسي لمساعدة الأفراد على تعلم مهارات وسلوكيات جديدة.

النظريات المعرفية: تركز النظريات المعرفية على العمليات العقلية مثل الانتباه، الذاكرة ، الإدراك، التحفيز ، حل المشكلات ، اتخاذ القرار، التفكير، الإبداع، والتفكير. وقد تم دمج الكثير من العمل المستمد من علم النفس المعرفي في مختلف التخصصات الحديثة الأخرى في الدراسة النفسية، بما في ذلك علم النفس التربوي، وعلم النفس الاجتماعي، وعلم النفس الشخصي، وعلم النفس غير الطبيعي، وعلم النفس التنموي، والاقتصاد.

النظريات التطورية: توفر نظريات التطور إطارًا للتفكير في النمو البشري والتطور والتعلم. إذا كنت قد تساءلت يومًا عن ما يحفز الفكر والسلوك البشري ، فإن فهم هذه النظريات يمكن أن يوفر رؤية مفيدة للأفراد والمجتمع.

نظريات الإنسانية: بدأت نظريات علم النفس الإنساني في النمو في الرواج خلال خمسينات القرن الماضي. في حين ركزت النظريات القديمة في الغالب على السلوك غير الطبيعي والمشكلات النفسية، ركزت النظريات الإنسانية بدلاً من ذلك على الجانب الخير في الإنسان. تضم قائمة المنظرين الإنسانيين الرئيسيين كارل روجرز، وأبراهام ماسلو صاحب هرم ماسلو للحاجات الشهير.

نظريات الشخصية: ينظر علم نفس الشخصية إلى أنماط الأفكار والمشاعر والسلوك التي تجعل الشخص فريدًا. وتكرس بعض من أفضل النظريات المعروفة في علم النفس لموضوع الشخصية بما في ذلك نظرية السمات الشخصية ، ونظرية العوامل “الخمسة الكبار” للشخصية ، ونظرية إريكسون للتطور النفسي الاجتماعي.

نظريات علم النفس الاجتماعي: يركز علم النفس الاجتماعي على مساعدتنا على فهم السلوك الاجتماعي وشرحه. تركز النظريات الاجتماعية عمومًا على ظواهر اجتماعية معينة ، بما في ذلك سلوك المجموعة والسلوك الاجتماعي الإيجابي والنفوذ الاجتماعي والحب وغير ذلك.

نظريات علم النفس العصبي: علم النفس العصبي هو مجال تجريبي لعلم النفس يهدف إلى فهم كيفية تأثر السلوك والإدراك بوظائف الدماغ، كما يهتم بتشخيص وعلاج التأثيرات السلوكية والإدراكية للاضطرابات العصبية. يتشارك علم النفس العصبي المفاهيم والاهتمامات مع الطب النفسي العصبي ومع علم الأعصاب السلوكية بشكل عام. كما يتشارك رؤية معالجة المعلومات مع علم النفس المعرفي والعلوم المعرفية.

قد يسأل دارس علم النفس نفسه عن أهمية التعرف على نظريات علم النفس المختلفة، لا سيما تلك التي تعتبر غير دقيقة أو قديمة. في الحقيقة، توفر هذه النظريات معلومات قيمة عن تاريخ علم النفس، وتطور الفكر في موضوع معين وفهم أعمق للنظريات الحالية. فمن خلال فهم كيفية تقدم التفكير، يمكنك الحصول على فهم أفضل ليس فقط عن موقع علم النفس ، ولكن إلى أين يمكن أن يصل في المستقبل.

لقد ظهر الكثير مما نعرفه عن الفكر والسلوك البشري بفضل نظريات علم النفس المختلفة. سقطت بعض النظريات، في حين بقيت بعض النظريات مقبولة على نطاق واسع، ولكنها أسهمت جميعها بشكل كبير في تطور فهمنا للفكر والسلوك البشري. من خلال نظريات علم النفس، يمكنك التعرف إلى ذاتك وسلوكك وسلوك الجماعات على نحو أعمق وأكثر ثراءً.

لقد  دخل علم النفس اليوم حقبة مثيرة للاهتمام ، قد يسأل البعض ماذا يفعل علماء النفس؟ يتنوع علماء النفس في العمل بشكل لا يصدق والقائمة لا نهاية لها. فقد تجد علماء نفس ضالعون في صياغة حملة للتأثير على المواطنين للتخلي عن التدخين، أو تصميم اختبار جديد للكشف عن مشاكل الصحة العقلية في وقت مبكر، أو تطوير تطبيق لمساعدة الناس على التغلب على القلق. في الواقع ، أينما يوجد نشاط إنساني، يمكن أن تجد علم النفس حاضرا. بشكل عام ، يقدم معظم علماء النفس التقييم والعلاج للأفراد، ويساعدون على تسهيل التغيير التنظيمي أو الاجتماعي، وإجراء البحوث أو الاختبارات النفسية على الأفراد أو المجموعات.

عن admin

شاهد أيضاً

الإبداع … تلك “الزهور الذهبية”

  د. أسامة إبراهيم تتفتح زهور الإبداع في أزمنية وأمكنة معينة ، إلا أنها تترك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *