الرئيسية / كتب / قدرة رأس المال المهني على إصلاح التعليم

قدرة رأس المال المهني على إصلاح التعليم

أ. د. / أسامة محمد إبراهيم

أستاذ علم النفس التربوي – جامعة سوهاج  

يرتبط رأس المال المهني (أو الاحترافي) بعلاقة أساسية بقضية تطوير التعليم والنظم المدرسية، يبدو ذلك بوضوح عند تأمل الأنظمة المدرسية في الدول ذات الأداء التعليمي التميز. في هذا المقال نستكشف فكرة “قوة رأس المال المهني”، – وهو اسم كتاب صدر حديثاً للباحثين آندي هارجريفز و مايكل فولان – وكيف يمكن أن يسهم “رأس المال المهني” في تحويل التدريس في جميع المدارس. يقدم هذا الكتاب رؤية رائعة لجميع المعنيين بتطوير التعليم.

يعتقد العديد من المعلمين أن فكرة رأس المال غريبة على مجال التعليم؛ إذ ليس من المعتاد ربط مفهوم رأس المال بالتعليم. تأتي فكرة رأس المال من مجال الاقتصاد، وهو يعني الشيء الذي يضيف قيمة لصافي الدخل. فإذا كنت ترغب في الحصول على عائد، فأنت بحاجة إلى استثمار. والسؤال الذي قد يطرح هنا هو: ماذا يستثمر المعلمون لتنمية رأسمالهم؟

هناك رؤيتان لرأس المال وكيف يمكن استخدامه لتحسين التدريس. الأولى هي نهج رأس المال التجاري؛ في هذا النموذج، يُطلب من المدرسين استخدام تقنيات تجريبية من أجل إحداث تغييرات سريعة في نتائج الطلاب. هذا المفهوم يتعارض مع العديد من الأشياء التي نقوم بها في مجال التعليم. يبحث هذا النموذج عن الطرق التي تحول بسرعة الممارسات التقليدية لتحقيق أهداف قصيرة الأجل. هذا المنظور قصير النظر ولن يحقق التغيير المستدام على المدى الطويل الذي نرغب فيه جميعًا.

بالتأكيد لا يوجد شيء خطأ في العمل على تحقيق أرباح سريعة، ولكن عندما يصبح التوجه العام للتعليم العام هو تحقيق أرباح قصيرة الأجل، فإن ذلك يشوه بشكل أساسي الكثير مما نقوم به في العملية التعليمية، لأنه ينطوي على افتراضات مزعجة بشأن المعلمين والتدريس. على سبيل المثال، إحدى الطرق التي تزيد من عوائد التعليم العام على المدى القصير هي خفض كلفة التدريس! فمن وجهة نظر رأس المال التجاري، التدريس مهنة سهلة من الناحية التقنية؛ فالتدريس يمكن أن يُوجَّه بمجموعة من الحقائق والبيانات، هذه البيانات ستمنح المعلم جميع الإجابات، وسوف تحل التكنولوجيا محل المعلمين! وهكذا يرى هذا النهج إن التدريس مهنة “بسيطة” لا تتطلب إعدادا صارمًا في الجامعات أو ممارسة مكثفة في المدارس. ومن ثم، يمكن اكتساب مهارات التدريس على مدى بضعة أسابيع في الصيف أو من خلال دروات تدريبية تقدمها “مكاتب” ملحقة بالجامعات أو خارجها!

تخيل مثلا لو قلنا ذلك عن إعداد الأطباء أو مهندسي المصانع أو المهندسين المعماريين!

وفي المقابل، ينظر نهج “رأس المال المهني” إلى التدريس كمهنة صعبة تحتاج إلى ممارسة طويلة الأجل؛ فعلى سبيل المثال، من الصعب معرفة المؤشرات الدالة على اضطراب اسبرجر، أو تقديم تدريس تمايز، أو تعليم الطلاب ذوي صعوبات التعلم أو المراهقين الذين لديهم مشكلات سلوكية. كل ذلك يتطلب معرفة متخصصة، ومستويات عالية من التدريس، وممارسة قوية داخل المدارس، وتطوير وتحسين مستمر وبشكل تعاوني، كما يتطلب تطوير قرارات تشاركية حكيمة. وهكذا مع مرور الوقت، تَبنِي ممارسات رأس المال المهني خبرة المعلمين بشكل فردي وجماعي محدثة فروقاً جوهرية في تعلم جميع الطلاب.

تميز هذه الرؤية لرأس المال المهني بين ثلاثة أنواع من رأس المال: رأس المال البشري Human Capital (موهبة الأفراد) ؛ رأس المال الاجتماعي Social Capital (القوة التعاونية للمجموعة) ؛ ورأس مال القرار الجمعي أو التشاركي Decisional Capital (الحكمة والخبرة لإصدار أحكام سليمة حول المتعلمين التي تزرع على مدى سنوات عديدة).

يتكون “رأس المال البشري” في أي مهنة من المعرفة والمهارة والقدرات الفردية التي تُمكِّن أعضاء المهنة من تنفيذ الأحكام والإجراءات الفعالة في الحالات التي تكون فيها الأدلة والإجراءات المتفق عليها غير كافية لتحديد مسارات العمل التي تحتاج إليها. ويمثل المعلمون الأكفاء رأس المال البشري في مجال التعليم، فهم حقا حجز الزاوية. لكن، ما الذي يجعل المعلم جيدًا أو معلما خبيرا بالفعل، وكيف نحصل على أعداد متزايدة من المعلمين الجيدين والرائعين في مدارسنا؟ هذه هي الأسئلة التي تشكل القضية الأساسية لرأس المال البشري في التعليم.

إن الأنظمة المدرسية المتميزة تحرص على اجتذاب أفضل العقول للعمل في مهنة التدريس، لكن هل يكفي أن يكون لدينا معلمون قادرون وأكفاء حتى يصبح لدينا نظام مدرسي جيد؟

أن تصبح معلما في فنلندا (أحد أفضل النظم المدرسية التي تتميز بمخرجات عالية جدا وفقا لاختبار بيسا) هو أمر ليس سهلا على الإطلاق. في عام 2011م تقدم لجامعات فنلندا (8500) طالبا من أفضل الطلاب لكي يتأهلوا لمهنة التدريس، لم يقبل منهم للدراسة سوى (750) طالبا فقط، وذلك بسبب إجراءات الاختيار التي تدقق في اختيار أفضل رأس مال بشري للعمل في مهنة التدريس. لكن، دعونا نفترض أننا أحضرنا أفضل معلمي فنلندا للتدريس في مدارسنا، هل سنستطيع بذلك إصلاح منظومة التعليم لدينا؟!

بالرغم من الأهمية الكبيرة لرأس المال البشري، فإن العامل الأكثر تأثيرا في تطور الأنظمة المدرسية وفي إحداث تغييرات أكثر فعالية هو (رأس المال الاجتماعي).

في عام 2011م، أجرت كاريا ليانا من جامعة بيتسبرغ دراسة لتوضيح العلاقة بين رأس المال البشري ورأس المال الاجتماعي، أُجريت هذه الدراسة في مدينة نيويورك على عينة من (130) مدرسة ابتدائية، وقامت الباحثة بقياس ثلاثة أشياء: رأس المال البشري (صفات الأفراد ومؤهلاتهم وكفاءاتهم)؛ ورأس المال الاجتماعي (إلى أي مدى يعمل المعلمون معا في المدرسة بثقة وبطريقة تعاونية للتركيز على التعلم والمشاركة والتحسين لإنجازات الطلاب؟)؛ وبعد ذلك قامت بقياس إنجاز الرياضيات في شهري سبتمبر ويونيو كمؤشر على تأثير المعلمين.

أظهرت الدراسة أن نتائج المدارس ذات رأس المال الاجتماعي المرتفع كانت أعلى في التحصيل. وكانت المدارس التي تجمع بين رأس المال البشري ورأس المال الاجتماعي القوي معا هي الأفضل من بين المدارس. الأهم من ذلك، وجدت الباحثة أن المعلمين ذوي رأس المال البشري المنخفض الذين كانوا يعملون في مدارس ذات رأس مال اجتماعي مرتفع حصلوا على نتائج أفضل من أولئك الذين يعملون في المدارس ذات رأس المال الاجتماعي الأقل. إن تواجد معلم (ضعيف) في مدرسة يعمل بها معلمون بشكل فعال وبشكل تعاوني يكسبهم الخبرة ويجعلهم أكثر اندماجا ومشاركة. وهذا يعني أهمية العناية بتطوير ممارسات المعلمين – كفريق – على مستوى المدرس والمناطق التعليمية، وربما على المستوى الوطني.

إن تأثير الفعالية المهنية ليس عملا فرديًا فقط بل جماعيًا أيضًا؛ فالمعلمون يُحدثون فرقًا في تعلم الطلاب وإنجازهم وتطورهم من خلال الجهد الذي يمارسونه في العمل معًا، ومن خلال الآثار المتراكمة لممارساتهم المهنية المشتركة، وليس فقط من خلال التأثير الذي يحدثه كل منهم بمفرده.

يشمل رأس المال الاجتماعي، مجموعة متنوعة من الممارسات مثل العمل التعاوني؛ صنع القرار المشترك؛ التدريس المشترك؛ المسؤولية الجماعية عن نجاح جميع الطلاب في الصفوف والمدارس والفصول الدراسية؛ الثقة المتبادلة والمساعدة؛ مجتمعات التعلم المهنية؛ الشبكات والاتحادات المهنية؛ والعديد من أنواع البحث التعاوني. لقد أصبح من المؤكد اليوم أن رأس المال الاجتماعي له تأثير أكبر من رأس المال البشري على جودة المعلم ونتائج التعليم.

أما مفهوم رأس المال القرار الجمعي أو التشاركي (مفهوم قادم من المجال القضائي) فهو يتعلق بكيفية تطوير المعلمين لقدرتهم على إصدار الأحكام. كيف يتعلم القضاة إصدار الإحكام؟ يكتسب القضاة الخبرة والقدرة على إصدار الأحكام من خلال التعامل مع العديد من القضايا على مدى سنوات عديدة، بأنفسهم، وبشكل جماعي من خلال المداولة مع زملائهم. فالذي يعرف العمل القضائي يعرف جيدا أهمية (المداولة) التي يمارسها القضاة قبل إصدار الأحكام، وهذا ما يفعله جميع المحترفين.

جزئيا، تقدم فنلندا أداءً متميزا في مجال التعليم نظرًا لمقدار الوقت الذي يقضيه المدرسون في يومهم خارج الفصل الدراسي. إنهم يقضون وقتًا أقل في الفصل الدراسي يوميًا أكثر من أي بلد آخر، مما يمنحهم الوقت للتعبير عن الآراء ومناقشتها وتطويرها.

حتى يكون لدينا نظام مدرسي جيد، يجب أن يكون لدينا نهج وفلسفة واتجاه، وأن يكون لدينا معلمين أكفاء، وقيادة مدرسية جيدة. إذا أصبح لدينا هذه الأشياء سنستطيع أن ننمي ثروة مجتمعية أو رأس المال المجتمعي.

عند التفكير في كيفية إنشاء ثقافة رأسمالية مهنية أو احترافية، من الضروري معرفة أنه لا توجد طريقة واحدة لذلك. في ما يلي خمسة أمثلة من بلدان عملت على تعزيز رأس المال الاجتماعي في نظمها المدرسية بطرق مختلفة.

فنلندا: تطوير المناهج المحلية – أحد الأمور التي يقوم بها المدرسون في فنلندا والتي تجعلهم فاعلين هو أنهم ينشئون المناهج الدراسية معًا، فكل مدرسة أو مقاطعة تعد منهجها بنفسها؛ إنهم لا ينفذون المناهج فقط، بل ينشئون المناهج معًا.

سنغافورة: منح أفضل الأفكار – سنغافورة هي البلد الأعلى أداءً في برنامج تقييم الطلاب الدوليين (PISA)، وهو مكان يتفوق فيه الأفراد على كل المستويات. هناك، يقدم المعلمون أفضل الأفكار التي ينتجونها لزملائهم. هذه الأمر يجعل المعلمين يواصلون ابتكار أفكار جديدة للبقاء في الطليعة. فهم لا يخبئون أفكارهم. التعاون وليس التنافس هو ما يقود النظام المدرسي.

ألبرتا: ابتكار التعاون والاستقصاء- ألبرتا هي إحدى المقاطعات الأكثر أداء في كندا. خلال السنوات الإحدى عشرة الماضية، بالتعاون مع الحكومة، أنفقت جمعية معلمي ألبرتا 50٪ من مواردها على التطوير المهني. كما عمل مدراء مدرسة كلية ألبرتا بشكل تعاوني لتعزيز البحث والابتكار في المدارس والمناطق. أصبح الاستفسار المهني الذي يبذله القادة على جميع المستويات محوريًا لتنمية المهنة.

أونتاريو: المسؤولية الجماعية والشفافية – عندما ينظر المعلمون إلى البيانات معًا في أونتاريو، فهم لا يبحثون عن إصلاحات سريعة حول كيفية رفع نتائج الإنجاز. يجلس المعلمون جنباً إلى جنب بشفافية لتدارس البيانات، ويتحمل جميع المعلمين المسؤولية الجماعية لجميع الأطفال عبر الصفوف. يقول المعلمون: “إنهم أطفالنا”، وليس “أطفالي ، أو صفي”. إنه ما وراء البيانات، وليس ما في البيانات هو الأكثر أهمية لأونتاريو.

جمعية المعلمين في كاليفورنيا: قادة المعلمين يقودون تغيير النظام – تعد ولاية كاليفورنيا من أقل الولايات أداءً في الولايات المتحدة منذ سنوات ، وقد رفعت جمعية معلمي كاليفورنيا دعوى قضائية ضد الحكومة. أرنولد شوارزنيجر لعدة مليارات من الدولارات. بفضل الأموال التي فازت بها ، قامت الجمعية بالتعاون معًا بوضع قانون استثمار التعليم الجيد لعدة مئات من المدارس منخفضة الأداء في الولاية.

وأخيرا – إن “رأس المال المهني” أو الاحترافي أحد المفاهيم التي يجب الانتباه إليها والاستثمار فيها عند تطوير نظمنا المدرسية. ويجب النظر إلى المعلمين باعتبارهم من بناة الأمة، وأن الاستثمار في رأس المال الاحترافي في مجال التدريس سوف يعود على المجتمع كله بعوائد عالية من الرخاء والتماسك الاجتماعي والعدالة الاجتماعية. إن مفهوم رأس المال الاحترافي يلقى اليوم صدى واسع كحل واعد وضروري. ما نحتاجه الآن هو جهد ملتزم بتنفيذ هذا المفهوم القوي للمهنة عبر النظام التعليمي. لنجعل رأس المال الاحترافي استثمارنا الأساسي.

 

 

عن admin

شاهد أيضاً

التعليم عن بعد في ظل جائحة كورونا : رسائل إلى المدارس والمربين

د. أسامة إبراهيم  أستاذ علم النفس التربوي – جامعة سوهاج – ينبغي ألا نركز على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *