الرئيسية / مقالات / ما الذي يميِّز النظم المدرسية عالية الأداء؟

ما الذي يميِّز النظم المدرسية عالية الأداء؟

د. أسامة محمد عبد المجيد إبراهيم

أستاذ علم النفس التربوي بجامعة سوهاج – مصر 

يحتل التعليم أولوية كبيرة في جميع الدول المتقدمة، وتلك الطامحة لتحقيق طفرة في مجال التنمية، فبدون تعليم جيد سوف يظل المجتمع يقبع على هامش الحراك العالمي، ولن يكون بإمكانه اللحاق بالتقدم التكنولوجي الهائل الذي أحدثته الثورة الصناعية الرابعة، وما سيترتب عليها من مهارات متغيرة ومتطورة في سوق العمل.

منذ عقود، يعاني نظام التعليم المدرسي المصري من العديد من المشكلات والتحديات، وظلت هذه المشكلات تراوح مكانها بالرغم من مشروعات الإصلاح المتكررة. تشمل هذه المشكلات: قضايا إعداد المعلم وتطوره المهني؛ وأساليب التعليم والتعلم القائمة على التلقين والحفظ؛ والمناهج الدراسية المكدسة بالموضوعات مما لا تعطي فرصة لتطوير مهارات أكثر أهمية مثل مهارات القرن الواحد العشرين؛ وتكدس الطلاب في الفصول بأعداد كبيرة نتيجة لنقص أعداد المدارس بالنسبة لعدد الطلاب خاصة في المرحلة التعليم الأساسي، مما يحد من قدرة المعلم على التفاعل مع الأطفال. وأخيرا وليس آخرا المشكلات المرتبطة بالتقويم (تقويم الطالب، وتقويم المعلم، وتقويم المدارس، وتقويم منظومة التعليم ككل) التي جعلت التعليم كله موجها بالإعداد للاختبارات وليس من أجل التعلم الحقيقي، والتي أفرزت ظاهرة الدروس الخصوصية والتي قضت على الكثير من أوجه النشاط التعليمي في المدارس.

حديثا، أثارت التقارير والمؤشرات الدولية، مثل مؤشر التنافسية العالمي (GCI)، وكذلك نتائج الاختبارات الدولية، مثل اختبار بيزا PISA واختبار تيمس TIMMS، التي جعلت من الممكن مقارنة نظم التعليم في الدول المختلفة ببعضها البعض، أثارت صدمة لدى الكثيرين، وكان من الصعب علينا تقبل حقيقة تدني مخرجات نظامنا التعليمي إلى الحد الذي وضعنا خارج التصنيف العالمي تارة، وفي ذيل الترتيب العالمي تارة أخرى، بشكل لا يتفق مع مكانة مصر وتاريخها كدولة عريقة في مجال التعليم بدأت نهضتها الحديثة في القرن التاسع عشر قبل اليابان.

لقد كان من الصعب الإقرار بحقيقة المستوى المتدني الذي وصل إليه جودة التعليم لدينا، لكن نتائج هذه التقارير والاختبارات الدولية اجتذبت مزيدًا من الاهتمام، وألهمت النقاشات حول جهود الإصلاح، وساعدت هذه المقارنات الدولية النظم التعليمية على تأسيس اتجاه جديد قائم على الأدلة والبيانات وليس على الرؤى الشخصية.

أحد أهم الأفكار التي نشأت عن هذه المقارنات أنه لا يوجد شيء محتوم حول كيفية أداء المدارس، فإذا كان بوسع بلدان ذات مستويات اقتصادية متواضعة تنفيذ سياسات لرفع مخرجات التعليم لديها، فلماذا لا نستطيع نحن فعل الشيء نفسه؟!

في ستينات القرن الماضي، كان لدى كوريا الجنوبية مستوى معيشي مماثل لمستوى أفغانستان في الوقت الحالي، وكانت من بين أدنى مستويات الأداء في التعليم. الآن كوريا الجنوبية لديها أكبر نسبة في العالم من المراهقين الذين أكملوا بنجاح المرحلة الثانوية. واستطاعت كوريا الجنوبية أن تحول نفسها إلى اقتصاد عالي التقنية، مبني على أساس من التعليم.

وفي نهايات التسعينات، كانت البرازيل تعاني من مخرجات ضعيفة جدًا في التعليم وتقبع في قاع جدول الترتيب العالمي. في الحقيقة لم يكن أكبر عائق أمام تحسين نظام التعليم هناك يتمثل في نقص الموارد، لكن في الاعتقاد بأنه لا حاجة إلى التحسين؛ فالطلاب يحصلون على درجات عالية على الاختبارات التقليدية (تمامًا كما يحدث عندنا اليوم، حيث تحقق أعداد كبيرة جدًا من الطلاب الدرجات النهائية في امتحانات الشهادة الثانوية العامة!). لذا كانت صدمة المدارس وأولياء الأمور وصناع السياسة حينما نشرت نتائج طلاب البرازيل في اختبار PISA. ودفع هذا صناع القرار منذ ذلك الحين إلى اتخاذ حزمة من الإصلاحات دفعت البرازيل إلى التقدم بشكل رائع، فبعد تسع سنوات فقط من مشاركتها في PISA للمرة الأولى، برزت البرازيل كبلد صاحب أكبر تحسن في القراءة منذ إجراء تقييم PISA الأول في عام 2000.

اتبعت العديد من البلدان نفس النهج حيث لم تعد تقيس فاعلية نظمها التعليمية بمقارنة نتائج التعلم التي يحققها طلابها مقابل الإنجازات السابقة، بل يقيسون مدى تقدمهم نحو تلك الأهداف مقارنة بما يتم تحقيقه في أفضل النظم التعليمية في العالم.

 

لقد حان الوقت لأن نسأل أنفسنا: ما الذي يمكن أن نتعلمه من أنظمة التعليم الأكثر تقدمًا في العالم؟ كيف يمكن لتجاربهم أن تساعد الطلاب والمعلمين وقادة المدارس لدينا؟ كيف يمكن لصانعي السياسات التعليمية أن يستفيدوا من دروس الدول التي واجهت تحديات مماثلة واتخاذ قرارات مستنيرة؟ إذا كانت هذه الدول نجحت، فلماذا من الصعب علينا أن نفعل الشيء نفسه والتوقف عن تكرار نفس الأخطاء؟ في الحقيقة، لم تكن الإجابة عن هذه الأسئلة أكثر إلحاحًا منها اليوم.

قد يعتقد البعض أن التعليم لا يمكن تحسينه إلا عبر فترة زمنية طويلة جدًا، إلا أن الدروس المستفادة من تجارب دول عديدة تظهر أن ذلك غير صحيح، وأن إحداث تغييرات جوهرية في مدى زمني معقول هو أمر ممكن.

يمكن لصانعي سياسة التعليم الاستفادة من المقارنات الدولية بنفس الطريقة التي يتعلم بها قادة الأعمال توجيه شركاتهم نحو النجاح، وذلك من خلال استلهام تجارب الآخرين، ومن ثم تكييف الدروس المستفادة مع أوضاعهم الخاصة.

تظهر التجارب الناجحة التي أعادت تشكيل النظام المدرسي بها، أن الجودة في التعليم كانت نتيجة لسياسات وممارسات ومنهجية مصممة بعناية. وتتشارك المدارس وأنظمة التعليم ذات الأداء العالي في بعض السمات التي تتجاوز الحدود الثقافية والوطنية واللغوية. هذا هو السبب في أنه من المفيد دراسة تجارب الدول في إعادة تشكيل نظامها المدرسي.

كشفت دراسات مارك تاكر، رئيس المركز الوطني للتعليم والاقتصاد بأمريكا، للعلامات المرجعية عن مجموعة من الخصائص المشتركة لجميع أنظمة التعليم عالية الأداء، منها:

  • إن القادة في أنظمة التعليم ذات الأداء العالي استطاعوا أن يقنعوا مواطنيهم بأن الاستثمار في المستقبل من خلال التعليم أمر يستحق العناء، بدلاً من الأمور ذات العوائد الفورية، وأنه من الأفضل التنافس على جودة الثمرة لا على ثمنها.
  • إن إعطاء التعليم قيمة عالية هو مجرد جزء من المعادلة. يتمثل الجزء الآخر في الإيمان بأن كل الطلاب من مختلف المستويات الاجتماعية يمكنهم تحقيق معايير عالية المستوى. في بلدان مختلفة مثل إستونيا وكندا وفنلندا واليابان، يؤمن الآباء والمعلمون بأن جميع الطلاب يمكنهم الوفاء بالمعايير العالية. وغالبا ما تتجلى ذلك في سلوك الطلاب والمعلمين.
  • تميل أفضل الأنظمة المدرسية إلى تلبية التنوع في احتياجات الطلاب من خلال ممارسات تربوية متمايزة، ودون أن يكون ذلك على حساب جودة المعايير. فهم يدركون أن الطلاب العاديين يمكن أن يكون لديهم إمكانات ومواهب غير عادية.
  • لا تتجاوز جودة نظام المدرسة جودة المعلم. تقوم الأنظمة المدرسة ذات الأداء العالي باختيار وتعليم المعلمين بعناية. كما تعمل على تحسين أداء المعلمين المتعثرين، وتوفر بيئة يعمل فيها المعلمون معا لوضع إطر للممارسات الجيدة، ويشجعون المعلمين على التطور في حياتهم المهنية.
  • تضع الأنظمة المدرسية ذات الأداء المتميز أهدافًا طموحة، هذه الأنظمة واضحة بشأن ما ينبغي أن يصبح الطلاب قادرين على فعله، وتمكين المعلمين من معرفة ما ينبغي أن يعلموه لطلابهم. وانتقلوا من الرقابة الإدارية والمساءلة إلى الأشكال المهنية لتنظيم العمل. وهم يشجعون معلميهم على أن يكونوا مبدعين، وأن يحسنوا أدائهم وأداء زملائهم، وأن يسعوا إلى التطوير المهني والتعاون الذي يؤدي إلى ممارسة أفضل.
  • توفر النظم المدرسية الأفضل أداء تعليماً عالي الجودة عبر النظام بأكمله، بحيث يمكن لكل طالب تلقي خدمات تدريسية ممتازة. ولتحقيق ذلك، تجتذب هذه البلدان أفضل القيادات المدرسية إلى أصعب المدارس، وأفضل المعلمين إلى أكثر الفصول تحديًا.
  • وأخيرًا، تميل الأنظمة عالية الأداء إلى جمع وتنسيق السياسات والممارسات عبر النظام بأكمله، وتتأكد من أن السياسات متماسكة ومتسقة ويتم تنفيذها عبر فترات زمنية مطردة.

من أين نبدأ؟

مع بداية القرن 21، طُرحت العديد من الأسئلة حول كيفية زيادة فعالية التعليم العام، خاصة في المرحلة الأساسية، وكان السؤال دائما من أين نبدأ، وعلام نركز؟

تشير بيانات “خبرة المخرجات الراكدة” في كل من أمريكا والعديد من دول منظمة التعاون الاقتصادي أنه على الرغم من زيادة الإنفاق على التعليم في الفترة بين (1970 – 2005)، فإن مخرجات التعليم ظلت راكدة؛ بمعنى أن زيادة الإنفاق على التعليم لم يقابلها تحسن في مخرجات التعليم.

وأظهر تحليل البيانات مجموعة من العوامل الأساسية التي يجب التركيز عليها إذا أردنا إصلاح النظام المدرسي وزيادة فعاليته. بعض هذه العوامل يتطلب ميزانيات عالية مثل تحديث البنية التحتية للمدارس، وبناء آلاف المدارس الجديدة بما يسمح باستيعاب جميع الطلاب وتقليل كثافة الطلاب في الفصول، والسماح بممارسة أساليب التعليم المرتكزة حول الطالب. والبعض الآخر يرتبط بتطوير المعلم والنظم المدرسية ذاتها. وعلى أية حال، أظهر تحليل تجارب دول عديدة في إعادة إصلاح التعليم أن هناك أربعة مبادئ برهنت على أهميتها البالغة في بناء نظام مدرسي فاعل:

  • جودة المعلم: جودة النظام التعليمي لا يمكن أن تتخطى جودة المعلم

تشير الأدلة إلى أن جودة المعلم هي أكثر العوامل أهمية لتحسين مخرجات الطلاب، وهو العامل الرئيس وراء اختلاف أداء الأطفال خاصة في المرحلة الابتدائية، حيث أظهرت إحصاءات التعليم أن الأطفال الذين يوضعون مع معلمين منخفضي الأداء لعدة سنوات متتالية يعانون من ضعف دراسي لا يمكن تعويضه إلى حد كبير.

وأظهر تحليل بيانات الاختبارات أن جودة المعلم تؤثر في أداء الطلاب أكثر من أي عامل آخر، وقد وجد أنه عند وضع اثنين من الأطفال متوسطي الأداء في فصلين مختلفين أحدهما يدرسه معلم جيد، وآخر ضعيف، فإن أداء الطفلين يتباعد بما بمقدار 50 درجة مئينية خلال ثلاث سنوات، هذا التباين يعود بشكل أساسي إلى متغير جودة المعلم.

من أجل ذلك تحرص الدول ذات الأداء العالي على اجتذاب أفراد متميزين للعمل كمعلمين؛ في كوريا، وفنلندا، وسنغافورا وهونج كونج، يلتحق بكليات إعداد المعلم أعلى 5% ، أعلى 10% ، أعلى 30% من الخريجين، على الترتيب. في عام 2011م تقدم لجامعات فنلندا (8500) طالبا من أفضل الطلاب لكي يتأهلوا لمهنة التدريس، لم يقبل منهم للدراسة سوى (750) طالبا فقط، وذلك بسبب إجراءات الاختيار التي تدقق في اختيار أفضل العناصر للعمل في مهنة التدريس. هذا على عكس نظم التعليم التقليدية حيث يلتحق بكليات تعليم المعلمين أدنى 30% من الخريجين!

لتحسين جودة المعلم، يجب أن تعمل الحكومات والجامعات أولا على اجتذاب أفضل العناصر للالتحاق بمهنة التعليم، بجعل مهنة التدريس تنافسية وجذابة، والتدقيق في اختبار المرشحين للالتحاق بمجال التدريس من أجل الوصول إلى أفضل المتقدمين الذين يمتلكون أفضل المهارات اللازمة لهذه المهنة، وبشكل خاص المهارات الشخصية ومهارات التواصل، والدافعية للتعليم والتعلم، ومهارات حل المشكلات. ويجب تصميم إجراءات اختيار مقننة لاختبار هذه المهارات والصفات، واختيار المتقدمين الذين يمتلكونها، وتطبيق ذلك بفعالية وليس بشكل روتيني كما هو الحال اليوم لدينا.

وأخيرا العنصر الأساسي للحصول على الأشخاص المناسبين ليصبحوا معلمين هو توفير أجور جيدة. وعلى العموم، إذا لم تكن لدينا رفاهية توظيف معلمين مثل فنلندا أو اليابان، فنحن بحاجة إلى المزيد من الاستثمار في تطوير المعلمين وخلق ظروف عمل أكثر تنافسية. إذا لم يحدث ذلك، فسوف نكون بذلك قد وضعناهم في دوامة هبوط من مستويات أدنى من الدخل إلى واقع مهني متواضع، مما يؤدي إلى انخفاض الثقة بالنفس بين المعلمين، ومما يؤدي إلى تعليم أكثر استبدادا وقمعا، الأمر الذي قد يدفع الأفراد الأكثر موهبة إلى الابتعاد عن مهنة التدريس. وهذا بدوره سيؤدي إلى معلمين محبطين وأقل كفاءة.

وخلاصة القول، أن القدرة على جذب الأشخاص المناسبين لها علاقة أكبر بوضع المعلمين في المجتمع. وبمجرد أن يصبح التعليم مهنة رفيعة المستوى، فإن المزيد من الأشخاص الأكفاء سيعملون جاهدين ليصبحوا معلمين، مما يزيد من ارتفاع مستوى المهنة.

  • الطريقة الوحيدة لتحسين المخرجات هي تحسين التدريس

تدرك الأنظمة المدرسية عالية الأداء أن الطريقة الوحيدة لتحسين النتائج هي تحسين التدريس. يحدث التعلم عندما يتفاعل الطلاب والمعلمون، وبالتالي فإن تحسين التعلم يعني تحسين جودة هذا التفاعل. ويمكن تحقيق ذلك من خلال التركيز على التنمية المهنية المستمرة للمعلمين، والتدريب العملي (نقل تدريب المعلمين من قاعات التدريب التقليدية إلى الفصل الدراسي)، وتمكين المعلمين من التعلم من بعضهم البعض.

إن التدريس مهنة صعبة تحتاج إلى ممارسة طويلة الأجل؛ على سبيل المثال، من الصعب معرفة المؤشرات الدالة على اضطراب اسبرجر، أو كيفية تقديم تدريس متمايز، أو تعليم الطلاب ذوي صعوبات التعلم أو المراهقين الذين لديهم مشكلات سلوكية. كل ذلك يتطلب معرفة متخصصة، ومستويات عالية من التدريس، وممارسة قوية داخل المدارس، وتطوير وتحسين مستمر وبشكل تعاوني، كما يتطلب تطوير قرارات تشاركية حكيمة. وهكذا مع مرور الوقت، تَبنِي هذه الممارسات خبرة المعلمين -بشكل فردي وجماعي- محدثة فروقاً جوهرية في تعلم جميع الطلاب.

وتتطلب عملية التدريب عملا احترافيا يبتعد بالمعلمين عن أساليب التعليم والتعلم التقليدية التي تتمركز حول المعلم. ويجب أن يكون لدينا القدرة على انتقاد فلسفة التدريب وممارساته الحالية سواء التي تتم داخل كليات التربية أو تلك المرتبطة بالترقيات، والعمل على تصويبها. ويجب أن تُرصَد ميزانية مناسبة للتدريب، ومن قبل ذلك إعداد برامج جيد، ونهج لمتابعة جودة مخرجات التدريب حتى لا يصبح التدريب مجرد إهدار للوقت والجهد والمال.

  • التأكد من قدرة النظام على تقديم أفضل تعليم ممكن لجميع الأطفال:

تقوم الأنظمة المدرسية عالية الأداء بإنشاء تدخلات فعالة على مستوى المدرسة، وتحديد المدارس التي لا تقدم أداءً مرضيًا، والمشاركة في رفع معايير الأداء. تتدخل أفضل الأنظمة وتطور العمليات والهياكل داخل المدارس لرفع قدرتها على تحديد متى يبدأ مستوى الطالب في التراجع، ثم تعمل على تحسين أدائه.

وعلى نفس المنوال، من الضروري أن تضمن أنظمة مدارسنا حصول كل طفل على تعليم ممتاز من خلال ضمان قيام المدارس بتعويض الأطفال عن القصور الذي قد ينجم عن ضعف البيئة المنزلية للطفل، خاصة بالنسبة للأطفال المنحدرين بين البيئات الاجتماعية والاقتصادية الأقل حظًا. وللتأكد من حدوث ذلك، نحتاج إلى وضع معايير وتوقعات واضحة وعالية لما يجب على طلابنا أن يعرفوه ويفهموه ويؤدوه. في حين أن عملية اختيار المناهج والمعايير غالباً ما تكون طويلة وصعبة ومثيرة للجدل، فإن بعض القواسم المشتركة واضحة عند النظر إلى الأنظمة عالية التأثير في العالم ومناهجها؛ فالتركيز على تعلم الحساب ومعرفة القراءة والكتابة أمر بالغ الأهمية في السنوات الأولى.

لقد تمكنت شنغهاي من الحصول على كل من أعلى الدرجات في اختبار PISA وتباينات منخفضة في أداء الطلاب عبر المدارس عبر جميع أنحاء الدولة. لم يتحقق هذا عن طريق الصدفة، بل عن طريق بذل جهود حثيثة لتحويل المدارس الأضعف إلى مدارس أقوى. شملت هذه الجهود المنهجية رفع مستوى البنية التحتية لجميع المدارس إلى مستويات متقاربة، وإنشاء هياكل مهنية تحفز المعلمين ذوي الأداء العالي للتدريس في المدارس الأكثر تحديًا.

إن مفتاح نجاح الأنظمة المدرسية هو اعتماد مزيج من المراقبة والتدخل الفعال -على مستوى المدرسة والفرد- لضمان تقديم التعليم الجيد بشكل متسق عبر النظام. في حين أن هذه ليست مهمة سهلة، إلا أن التغيير هو أمر ممكن بالتأكيد، بل يجب العمل عليه إذا كنا نريد أن نُحسِّن من مخرجات نظامنا التعليمي، ومن مستوى ترتيبنا على مؤشر التنافسية العالمي.

  • القيادة المدرسية الفاعلة: كل مدرسة بحاجة إلى قيادة فاعلة

إن التغييرات الهيكلية ورفع جودة المعلم لن توصلنا إلى نتائج كبيرة بدون وجود قيادة مدرسية جيدة، إذ لا يمكن تصور إحداث تغيير حقيقي بدون وجود قيادة جيدة تقود التغيير في المدارس. في جامعة تورنتو، قام باحثون من جامعة مينيسوتا بدراسة 180 مدرسة في تسع ولايات أمريكية، وخلصوا إلى القول: “لم نعثر على حالة واحدة لمدرسة استطاعت تحسين إنجاز الطلاب في غياب قيادة مدرسية موهوبة”.

تعتبر القيادة الفاعلة أمرًا محوريًا لكل جوانب التعليم تقريبًا، خاصة عندما يكون هناك قدر ضئيل من التماسك والقدرات. ففي حين يوجد العديد من المعلمين والمدارس والبرامج التعليمية الرائعة في كل نظام تعليمي، إلا أن القيادة هي التي يناط بها بناء نظام وثقافة مؤسسية رائعة داخل المدرسة. إن الثقافة هي السمة المميزة للقيادة الفعالة.

درس باحثون من ماكينزي عشرات الاختبارات من نصف مليون طالب في 72 دولة. ووجدوا أن طريقة تفكير الطلاب كان لها القدرة على التنبؤ بدرجات الطلاب بمقدار ضعف قدرة المتغيرات البيئة المنزلية والديموغرافية: كيف يشعر الطلاب حيال دراستهم؟ كيف يفهمون الدافعية؟ هل لديهم عقلية نمائية تفهم نموهم؟ تتأثر مثل هذه التوجهات الفكرية بقوة بجودة وثقافة المدرسة من خلال العادات التي تحكم الممارسات داخل المدرسة. يحدد قادة المدارس الثقافة من خلال سلوكهم القيادي: تحويل قيم المدرسة إلى ممارسات يومية؛ توزيع القيادة عبر مجتمع المدرسة؛ الاحتفاء بالإنجاز وجودة ونوعية علاقات الثقة. هؤلاء القادة هم طاقة إيجابية تنتشر عبر فضاءات المدرسة، تقدم التغذية المرتدة، وتضع المعايير، وتصنع التآلف الاجتماعي، وترفع التوقعات والمعايير.

وأخيرا، يجب أن تشمل خطة إصلاح النظم المدرسية الناجحة مجموعة من العناصر:

معايير النظام والمساءلة:

  • معايير واضحة لأداء الطلاب والمدارس
  • تقويم وطني منتظم للأداء ويتميز بالصدق والثبات والموضوعية
  • وظائف تنظيمية تعمل باستقلالية لضمان الموضوعية

دعم المسئولية لدى قادة المدارس والمعلمين

  • استثمار طويل المدى في رأس المال المهني للمعلمين والقيادة المدرسة
  • زيادة المسئولية لكل الأفراد (المعلمين وقادة المدارس)
  • إيجاد قنوات مختلفة لمكافأة الجهد والتحسين

إدارة أداء المدارس

  • معالجة هادفة لدعم المدارس ذات الأداء المنخفض وتحميلهم المسئولية لتحسين أدائهم
  • تمكين المدارس من التعلم من الممارسات الناجحة لبعضها البعض
  • رفع كفاءة قيادات التعليم ودعم الخدمات المقدمة للمدارس
  • دعم المبادرات المتميزة للإصلاح المدرسي
  • الاستخدام المتزايد للبيانات للإعلام عن السياسات والقرارات الإجرائية

ماذا نحتاج اليوم من مدارسنا؟

إن الهدف الرئيس للتعليم هو إعداد الطلاب لمستقبلهم، وليس ماضينا. واليوم، بعدما أصبح من السهل الوصول إلى المعرفة عبر محركات البحث، ورقمنة المحتوى، وبنوك الأسئلة، والمهارات المعرفية التقليدية، يجب أن يتحول التركيز إلى تمكين المتعلمين من أن يصبحوا متعلمين مدى الحياة.

يدور “التعلم مدى الحياة” حول التعلم المستمر وإعادة فحص الأفكار عندما تتغير السياقات. وهذا يستلزم عمليات مستمرة من التفكير والتفكير التحليلي والناقد والممارسات التأملية. لذلك تحتاج المدارس اليوم إلى مساعدة الطلاب على التطور والنمو باستمرار، وإيجاد مكانهم المناسب في عالم متغير.

نحن بحاحة إلى إعداد الطلاب للتغيير السريع أكثر من أي وقت مضى، وإعدادهم للوظائف التي لم يتم إنشاؤها بعد، وإلى عالم مترابط يفهمون فيه وجهات نظر الآخرين ويقدِّرونها، والتفاعل بنجاح واحترام مع الآخرين، والقدرة على اتخاذ قرارات مسؤولة وحكيمة توازن بين مصالحهم الشخصية وصالح المجتمع.

في نظامنا التعليمي، لا يزال تشكيل الشخصية مسألة حظ، لأن هذا الهدف لا يمثل أولوية لدى المدارس أو المعلمين، ونظرًا لعدم وجود فرص تعليمية تجعل من هذا الهدف جزءًا أساسيا مما يتوقع من الطلاب. إن تطوير هذه المهارات المعرفية والاجتماعية والعاطفية يتطلب نهجا مختلفا تماما للتعلم والتدريس ونوع مختلف من المعلمين.

إن التحدي اليوم هو أن نجعل من وظيفة التدريس مهنة احترافية تستند إلى المعايير ويقوم بها معلمين محترفين يعملون بمستوى عال من الاستقلالية المهنية وضمن ثقافة تعاونية.

(نحن) أمة في خطر …

من السهل أن ندعي أننا نعطي التعليم أولوية قصوى. وهذه بعض الأسئلة البسيطة التي يمكن لنا أن نطرحها لمعرفة ما إذا كانا بالفعل نعيش هذا الادعاء أم لا. ما هو وضع المعلم ومهنة التدريس في المجتمع؟ كيف تتعاطى وسائل الإعلام مع المدارس، وما المساحة التي تفردها لقضايا التعليم؟ عندما يتعلق الأمر بالتعليم، أيهما أكثر أهمية: مكانة المجتمع في البطولات الرياضية، أم مكانتها في جداول الدوري الأكاديمي؟

في عام 1983م، أصدرت وزارة التعليم الأمريكية تقريرًا عن التعليم بعنوان (أمة في خطر) أحدث جدلًا سياسيًّا ومجتمعيا كبيرين. كتب هذا التقرير هيئةٌ من كبار رجال التعليم والسياسيين ورجال الأعمال، وحذر التقرير من أن معايير التعليم العام الأمريكية متدنية تدنيًّا كارثيًّا ومستمرة في التدني! كتب مؤلفو التقرير: “نبلغ الشعب الأمريكي أننا برغم ما لدينا من فخر مستحق بما حققته مدارسنا وكلياتنا عبر التاريخ، وما أسهمت به في نهضة الولايات المتحدة ورفاهية شعبها، فإن المؤسسات التعليمية في مجتمعنا في الوقت الحاضر تتآكل بفعل مدٍّ من تدني المستوى الذي يهدد مستقبلنا نفسه دولةً وشعبًا، فما لم يكن ليخطر على بال في جيل مضى، بدأ يظهر، فآخرون لحقونا، وتفوقوا على إنجازاتنا التعليمية!”

وكانت الاستجابة الرئيس الأمريكي آنذاك، ريجان، على هذا التقرير قوية حيث قال: “إن هذا الوعي العام كان ينبغي أن يبدأ منذ زمن … إن هذه البلاد قامت على الاحترام الأمريكي للتعليم … وتحدينا الآن هو خلق موجة أخرى من الحماس لهذا النهم للتعليم الذي يتميز به تاريخ أمتنا”. وفي السنوات اللاحقة أُنفقت مليارات الدولارات على مبادرات لرفع المعايير في المدارس الأمريكية. ومن بعده جاء الرؤساء كلينتون وبوش وأوباما، وجميعهم أولى التعليم عناية خاصة، وما زال الأمريكيون ينتقدون تعليمهم بقوة ويرون أنه متدني وفي حاجة ماسة لإصلاح وإلا فإن الكارثة تنتظرهم!

وفي عام 2018، أصدر البنك الدولي تقريرًا بعنوان “أزمة التعليم”، تناول فيه حقائق مزعجة بشأن واقع التعليم في الدول النامية، يشير إلى التحديات الرهيبة التي ستخلقها الثورة الصناعية الرابعة وما سيترتب عليها من اتساع الفجوة الاقتصادية بين العالم المتقدم والدول النامية. هذه التحديات لن تكون تحديات تقليدية بل ربما هي أشبه بتحديات الوجود.

هذه دعوة لجميع رجال التربية والفكر المهتمين بالتعليم في بلدي أن يكتبوا تقريرا مماثلا بعنوان (أمة في خطر) … لقد أضحى الاستثمار في التعليم قضية وجود، والانتظار يعني الخروج كلية من المستقبل.

عن admin

شاهد أيضاً

عشرة أخطاء في التفكير

د. أسامة محمد إبراهيم  أستاذ علم النفس التربوي – جامعة سوهاج هناك الكثير من أخطاء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *