الرئيسية / Uncategorized / مبادئ الإسلام .. بين الشرق والغرب

مبادئ الإسلام .. بين الشرق والغرب

د. أسامة محمد إبراهيم

أستاذ علم النفس التربوي – جامعة سوهاج

من المقبول القول إن الدين يؤثر على القرارات الاقتصادية، والاجتماعية والسياسية والقانونية. ومع ذلك، ينقسم المفكرون في هذه القضية بين مدرستين فكريتين متعارضتين؛ هل التدين هو الذي يؤثر على التوقعات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للبلدان، أم أن هذه العوامل هي التي تؤثر على التدين. ويكمن جوهر الخلاف في كيفية التحقق من تأثير الدين أو التدين على التنمية الاقتصادية، وما إذا كان الدين ينبغي أن يكون المتغير التابع في مثل هذه الدراسات، أو أنه يجب أن يكون متغيرا مستقلا.

ولكن هناك عنصرا مفقوداً في هذه المناقشة، ذلك أنه بغض النظر عن الفرضية التي يتبناها المرء، فإن الباحث يجب أولاً التأكد من ما إذا كان المجتمع محل الدراسة يتبع تعاليم هذا الدين، وإلى أي مدى. ومن ثم، يمكن للباحث أن يقيِّم العلاقة بين الإسلام والأداء الاقتصادي ومستوى المعيشة والتنمية بصورة عامة.

في عام 2010م نشرت “مجلة الاقتصاد الدولية” دراسة لباحثين من جامعة جورج واشنطن بالولايات المتحدة الأمريكية بعنوان “ما مدى “إسلامية” الدول الإسلامية؟” هدفت هذه الدراسة إلى فحص أمرين. أولاً، النظر في ما يعتقد أنه يمثل التعاليم الإسلامية العامة الأكثر أهمية والتي ينبغي أن تُشكل سياسات البلاد التي توصف بأنها “الإسلامية”؛ وثانيا، وضع مؤشر Index لقياس مدى الالتزام بالتعاليم الدينية في تلك البلاد “الإسلامية”، أي وضع مؤشر قياس درجة “إسلامية” هذه البلدان، استناداً إلى تعاليم الدين الإسلامي نفسها.

كان التساؤل القبلي كيف نقيِّم الإسلام؟ هل نقيمه من خلال سلوك المتبعين للإسلام، أم من خلال التعاليم الإسلامية؟ إلى أي مدى تتصرف البلدان “الإسلامية” فعلا كبلدان إسلامية تتبع تعاليم الدين الإسلامي النابعة من القرآن الكريم وحياة وأقوال النبي صلى الله عليه وسلم؟ بعبارة أخرى، هل هذه البلدان بلدان إسلامية حقاً أم أنها إسلامية بالاسم فقط؟ وعندئذٍ فقط، يمكن للباحث أن يقيس تجريبيا إذا كان الإسلام يمثل عائقا للتنمية البشرية والتضامن البشري والأداء الاقتصادي أم أنه يعززها.

وعند طرح سؤال “كيف هي إسلامية البلدان الإسلامية؟” فإنه من المتوقع أن تعتبر المسألة معقدة ومثيرة للجدل، بل وربما غير معقولة، وربما غير قابلة للقياس، وذلك نظراً لأن وسائل الإعلام الغربية قد صورت عموما أن أي قصور في الدول الإسلامية ينبع من، أو هو علامة على، قصور في الإسلام ذاته، وهذه مغالطة.

وعند وضع مؤشر “الإسلامية” تم اختيار نهج عام يشمل جميع البلدان التي تعتنق التعاليم الإسلامية سواء بشكل كبير وشامل أو مبدأ واحد من المبدأ الأساسية، في الحكم. ومن هذا المدخل فقد ارتئي أن منظمة الدول الإسلامية توفر تمثيلا جيدا للبلدان التي تعتنق الإسلام على الصعيد الوطني. هناك سبعة وخمسون دولة عضوة في منظمة المؤتمر الإسلامي، وهي إما (أ) الحكومات التي تبنت الإسلام باعتباره الدين الرسمي للدولة، أو (ب) الإسلام دينهم الأساسي، أو (ج) نسبة كبيرة من سكان مسلمين، أو (د) ببساطة هي دول أعلنت نفسها جمهورية إسلامية. في “الفهرس الخاص بـ “الإسلامية” الذي طوره الباحثان، تم النظر إلى 208 بلدا ومقارنتها بمجموعة فرعية من بلدان منظمة المؤتمر الإسلامي، وحاولا قياس التنمية الاقتصادية، والاجتماعية والقانونية والسياسية لبلدان منظمة المؤتمر الإسلامي، ليس فقط بالمعايير الغربية، الموثقة جيدا في مختلف الفهارس المعروفة ، ولكن بما يعتقد أنه معايير إسلامية.

و للإجابة على السؤال (كيف هي إسلامية البلدان الإسلامية، أو ما هي درجة “إسلاميتها”؟)، كان من الضروري الاتفاق على محتوى واسع من تعاليم الدين الإسلامي وعلى السلوك المطلوب من أولئك الذين يمكن تصنيفها بصورة شرعية كمسلمين.

اختار الباحثان تقسيم تعاليم الدين الإسلامي في خمسة مجالات واسعة:

  • أولاً، علاقة الإنسان بالله وأفعال الرجل وفقا لمبادئ المسؤوليات البشرية؛
  • ثانيا: النظم الاقتصادية، والسياسات والعدالة الاقتصادية والاجتماعية؛
  • ثالثا: النظام القانوني والإدارة؛
  • رابعا: الحقوق الإنسانية والسياسية؛
  • خامسا: مجال العلاقات الدولية (لا سيما مع غير المسلمين).

في الفهرس المقترح، تم التعامل مع أربعة أقسام فقط ، مع ترك القسم الأول “علاقة الإنسان بالله”، وأفعاله وفقا لمبادئ المسؤوليات الإنسانية في الإسلام، فهو موضوع أرتئي أنه من الأفضل تركه لعلماء الدين.

الفرضية التي انطلقت منها هذه الدراسة أنه قبل اختبار أثر الدين على الأداء الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي أو الآثار الاقتصادية، والسياسية، كان من الواجب أولاً التأكد من مدى التزام أي بلد بتعاليم دينها المعلن- في هذه الحالة “الإسلامية”، كيف هي إسلامية البلدان الإسلامية، أو ما هي درجة “إسلاميتها؟” ولذلك حاول الباحثان أن يستشفا إذا كانت المبادئ الإسلامية تفضي إلى (أ) تحرير الأسواق والأداء الاقتصادي القوى والحكومة (ب) حسن الإدارة وسيادة القانون، (ج) المجتمعات البشرية التي أرست الحقوق المدنية، والمساواة، (د) العلاقات الودية والمساهمات المفيدة للمجتمع العالمي. وإذا كانت البلدان غير الإسلامية، مثل الولايات المتحدة، وألمانيا أو اليابان، أدوا بصورة جيدة في إطار القوانين واللوائح والممارسات التي تتمشى مع الإطار الإسلامي، فمن ثم القول إن المنطق يملي أن الإسلام لا يعوق التحسن الاقتصادي والسياسي، والقانوني، والاجتماعي، والتنموي.

على سبيل المثال، تم إنشاء فهرس “الإسلامية” الاقتصادية، وتم قياس التمسك بالمبادئ الاقتصادية الإسلامية في 208  بلدا باستخدام متغيرات قابلة للقياس 113 (عدم الاعتماد على الدراسات الاستقصائية الدينية المعممة كما شائع الممارسات الحالية). وقد فحص 208 بلدا ، وتقسيمها إلى فئات فرعية مختلفة من البلدان بإجراء مقارنة أكثر دقة: عالية، والمتوسط الأعلى، السفلي الأوسط، والبلدان ذات الدخل المنخفض، وبلدان منظمة التعاون والتنمية، بلدان الخليج العربي، وبلدان منظمة المؤتمر الإسلامي وبلدان منظمة المؤتمر الإسلامي. ومن المؤسف أن تأتي دولنا العربية والإسلامية في مرتبة متأخرة عن دول أخرى “غير إسلامية” حيث جاءت الكويت في المرتبة (48)، البحرين (64)، والإمارات (66)، الأردن (77)، عمان (99)، وقطر (112)، المملكة العربية والسعودية (131).

ذكرتني نتائج هذه الدراسة بالمقولة المشهورة للشيخ محمد عبده – رحمه الله، عندما ذهب لمؤتمر باريس عام 1881 ثم إنتهى المؤتمر وعاد فقال قولته المشهورة : “ذهبت للغرب فوجدت إسلاماً ولم أجد مسلمين، ولما عدت للشرق وجدت مسلمين و لكن لم أجد إسلاماً “.

المنهجية التي اتبعتها الدراسة تعد منهجية سليمة وفريدة حيث استطاعت أن تجيب عن سؤال صعب وبأسلوب علمي سليم. في رأيي أن الدراسة تمثل دفاعا عن الإسلام وليس المسلمين أو البلدان الإسلامية، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر والهجمة الشرية على الإسلام. فقد نحت الدراسة منحى مدافعا عن القيم الإسلامية، فاشتقت من تعليم الإسلام (القرآن وأقول الرسول الكريم وأفعاله) مجموعة من المبادئ العامة التي يمكن أن تمثل مقاصد الشريعة العامة… الرسالة التي توجهها الدراسة للعالم والإعلام مفادها: “لا تلوموا الإسلام، بل لوموا المسلمين الذين لا يطبقون مفاهيمه وقيمه السليمة والراقية والمتحضرة”. بالتأكيد إن أسباب تراجع البلدان الإسلامية ليس هو الإسلام، بل هو عدم الالتزام بتطبيق قيم الإسلام وما يدعو إليه من الشعور بالمسؤولية الأخلاقية والوطنية، ووجود خلل في الأنظمة والقوانين وخلل في السياسة والمناهج التعليمية.  

 

عن admin

شاهد أيضاً

التعليم عن بعد في ظل جائحة كورونا: رسائل إلى صناع السياسة التعليمية

  د. أسامة محمد إبراهيم أستاذ علم النفس التربوي – جامعة سوهاج   – ينبغي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *