الرئيسية / مقالات / نحو رؤية جديدة للتعليم

نحو رؤية جديدة للتعليم

أ.د. أسامة محمد إبراهيم

أستاذ علم النفس التربوي بجامعة سوهاج – جمهورية مصر العربية

قد يكون إحداث تحول في نظم التعليم أمرا صعبا لكنه يظل أمرا ضرورياً، بل حتميا. فلم يعد مقبولا أن يستثمر الشباب وقتهم وطاقتهم في تعليم غير ذي صلة بمتطلبات العالم الحقيقي، كما أنه من غير المرجح أيضا أن يستثمر أصحاب الأعمال في تعليم لا يجهز الأيدي العاملة بمهارات المستقبل، وهو ما يضع على كاهل واضعي السياسات حتمية تحديد الأولويات التي تضمن الاستثمار في رفاه المجتمع في المستقبل.

إن المتتبع لجهود الدول الرامية لتصميم وتنفيذ سياسات وممارسات إعادة إصلاح التعليم يرى اهتماما غير عادي بقضايا التعليم، كما يرى العديد من النجاحات التي يمكن أن نتعلم منها، والتي طرحت بعضا منها في مقالين سابقين حول إصلاح التعليم، تضمَّنا بعض الدروس التي يمكن أن تساعد الأنظمة التعليمية على النجاح في ظل اقتصاد المعرفة العالمي.

في عام 2012، نشرت جمعية الإشراف وتطوير المناهج(ASCD) كتاباً بعنوان “تعليم من الطراز العالمي: دروس من النماذج الدولية للتميز والابتكار”. في هذا الكتاب، تم مناقشة قصص نجاح خمسة أنظمة تعليمية مختلفة إلى حد كبير (أستراليا وكندا والصين (شنغهاي) وفنلندا وسنغافورة). وعلى الرغم من الاختلافات في تفاصيل السياسات والممارسات، وكذلك في السياقات الثقافية والنظم السياسية في هذه البلدان، كان هناك بعض العوامل المشتركة التي أدت إلى نجاحها.

وفي هذا العام (2018) صدر عن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) كتاب بعنوان: طراز عالمي: كيف نبني نظاماً مدرسياً للقرن الواحد العشرين، تناول الكتاب ما الذي تحتاجه المدارس كي تتمكن من القيام بذلك. وقد عرض الكتاب محاولات أكثر من 70 دولة في جهودها الرامية إلى تصميم وتنفيذ سياسات وممارسات مستقبلية.

على سبيل المثال، أدت الإصلاحات التعليمية التي بدأتها بولندا في عام 1999 إلى نتائج مهمة. وبحلول عام 2012 ، صنفت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية المعلمين البولنديين بين أفضل المعلمين في العالم. هذه التغييرات دفعت بولندا إلى قمة الترتيب في اختبار بيسا (PISA). وفي عامي 2012 و 2015، صدمت نتائج اختبار (بيسا) العديد من صانعي القرار السياسي والتربوي في دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية؛ فقد تجاوزت مخرجات التعليم في دولة فيتنام، وهي بلد منخفض الدخل، معظم دول المنظمة.

هذا بالتأكيد لا يعني نسخ الحلول الجاهزة من الدول الأخرى، بل بالأحرى يعني النظر بجدية إلى الممارسات الجيدة حول العالم والاستفادة منها، هذا بالإضافة إلى أن مواجهة التحديات التعليمية المستقبلية لا تكمن فقط في التعرف على أفضل ممارسات الأنظمة التعليمية الحالية، بل أيضا في استقراء التحديات المستقبلية. وهذا يستلزم من التربويين وصانعي السياسات النظر بجدية إلى تلك التحديات، ليس فقط من أجل تقديم حلول أفضل للتعليم، بل أيضا من أجل الاستدامة والازدهار.

ينبغي لقادة التعليم، من أجل تكوين رؤية مستقبلية جادة لتحسين التعليم، أن يضعوا -على رأس أولوياتهم- كيف يمكن بناء نظام مدرسي للقرن الواحد والعشرين من أجل خلق مستقبل يمكن من خلاله تقاسم الفرص الاقتصادية من قبل الجميع.

لقد أصبحت الموضوعات التعليمية اليوم من السهل رقمنتها وأتمتتها. وأضحى المستقبل يكمن في توظيف وربط الذكاء الاصطناعي بالمهارات المعرفية والاجتماعية والعاطفية والقيم الإنسانية، وتسخير الرقمنة لتشكيل العالم نحو الأفضل.

قديما، عندما كنا نفترض أن ما نتعلمه في المدرسة سيدوم مدى الحياة، كان تدريس المحتوى والمهارات المعرفية التقليدية هو محور العملية التعليمية. أما اليوم، حيث أصبح من السهل جدا الوصول إلى المحتوى والمهام المعرفية المتنوعة عبر محركات البحث، يجب أن تتغير وظيفة المدارس وأن يتحول التركيز إلى تمكين الطلاب من أن يصبحوا متعلمين مدى الحياة.

تحتاج مدارس الغد إلى إعداد الطلاب للتغيير السريع أكثر من أي وقت مضى؛ والتعلم من الوظائف التي لم تظهر بعد للوجود؛ والتعامل مع التحديات الاجتماعية التي لا يمكننا تخيلها بعد؛ واستخدام التقنيات التي لم يتم اختراعها بعد. كما تحتاج مدارسنا إلى أن تساعد الطلاب على التفكير في أنفسهم والاندماج مع الآخرين من خلال التعاطف والعمل والمواطنة، ومساعدتهم على تطوير إحساس قوي بالخطأ والصواب، وإلى فهم أعمق لـ كيف يعيش ويفكر الآخرون في مختلف الثقافات والمهام والمجتمعات، وإعداد الطلاب لعالم مترابط يتفهَّم فيه الطلاب وجهات النظر المختلفة وآراء العالم ويقدِّرونها، والتفاعل بنجاح واحترام مع الآخرين، واتخاذ إجراءات مسؤولة تجاه الاستدامة والرفاهية الجماعية. ومن خلال تقوية القدرة المعرفية والعاطفية والاجتماعية، يمكن أن يساعد التعليم المواطنين والمؤسسات والأنظمة على الاستمرار والازدهار، في ظل التغيرات المتسارعة وغير المتوقعة.

بالتأكيد سيظل إمداد المتعلمين بالمعرفة الحديثة مهما؛ فنحن بحاجة مستمرة إلى تعلم المهارات المتخصصة في مجالات المعرفة أو التطبيق، لكن النجاح في التعليم لم يعد يدور أساسًا حول إعادة إنتاج معرفة المحتوى بقدر تمحوره حول كيفية الاستقراء من ما نعرفه وتطبيقنا للمعرفة بشكل خلاق في مواقف جديدة. ويجب أن تأخذ المعرفة الابستمولوجية – التفكير كعالم أو فيلسوف أو فنان – الأسبقية على معرفة الصيغ أو الأسماء أو الأحداث. لذا، يجب أن يركز التعليم المدرسي اليوم أكثر على طرق التفكير الإبداعي والنقدي وحل المشكلات وإصدار الإحكام؛ وطرق العمل بما في ذلك مهارات التواصل والتعاون؛ وأدوات العمل بما في ذلك القدرة على إدراك واستغلال إمكانيات التكنولجيات الحديثة؛ والقدرة ﻋﻠﻰ اﻟﻌﻴش كمواطنين فاعلين ومسئولين في عالم سريع التغير ومتعدد الأوجه.

وقد حددت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) أربع كفاءات ضرورية للشباب لتأهيله عالميا، هي: استكشاف العالم خارج بيئتهم المباشرة من خلال دراسة القضايا ذات الأهمية المحلية والعالمية والثقافية؛ التعرف على وجهات النظر والآراء العالمية للآخرين وفهمها وتقديرها؛ توصيل الأفكار لجمهور متنوع من خلال المشاركة في التفاعلات المفتوحة والفعاليات عبر الثقافات؛ واتخاذ إجراءات من أجل الرفاهية الجماعية والتنمية المستدامة محليًا وعالميًا.

يوفر هذا التحديد خارطة طريق للتربويين وأنظمة التعليم لدمج الكفاءة العالمية في تدريسهم في جميع الفئات العمرية والموضوعات الدراسية. لا يتطلب التدريس من أجل الكفاءة العالمية منهجًا جديدًا، لكن يتطلب الجمع بين الاستراتيجيات التعليمية للتعلم النشط مع القضايا العالمية ودمجها في المناهج الحالية. قد يشمل ذلك استخدام المناقشات المنظمة، والتعلم من الأحداث الجارية، والتعلم القائم على المشاريع.

ولتحويل التعليم على نطاق واسع، لا نحتاج فقط إلى رؤية بديلة جذرية لما هو ممكن، بل أيضًا نحتاج إلى استراتيجيات ذكية ومؤسسات فعالة. لقد اخترعت المدارس بشكلها الحالي في العصر الصناعي، عندما كانت المعايير السائدة تستند إلى التقييس والامتثال، حيث كان التعليم يجهز الطلاب على دفعات، وحيث كان تدريب المعلمين يتم دفعة واحدة لكافة حياتهم المهنية. لذا، ووفقا لهذه الرؤية، تم تصميم المناهج الدراسية التي توضح ما يجب على الطلاب تعلمه، ثم تم ترجمة ذلك إلى مواد تعليمية، وتعليم المعلمين وبيئات التعلم من خلال مستويات متعددة بواسطة السلطة الأعلى، إلى أن يتم الوصول إليها وتنفيذها من قبل المعلمين في الفصل الدراسي.

هذه البنية الموروثة من نموذج العمل الصناعي تجعل التغيير في عالم سريع الحركة بطيئًا للغاية. لقد تجاوزت التغيرات في مجتمعاتنا القدرة الهيكلية لأنظمتنا التعليمية الحالية للاستجابة. ولم يعد بإمكان العمل بالأسلوب القديم للإدارة أن ينصف احتياجات الطلاب والمعلمين، والمدارس أيضاً. ويتمثل التحدي في الاستثمار المهني في المعلمين وقادة المدارس وإدراجهم في تصميم سياسات وممارسات متفوقة؛ وهذا تتطلب بيئة تمكِّن من إطلاق العنان لإبداع المعلمين والمدارس وبناء القدرة على التغيير. وهذا يتطلب قادة مخلصون للتغيير الاجتماعي ولديهم خيال في صنع السياسات، وقادرون على عمل إصلاحات فعالة.

لم تعد العلاقة بين جودة التعليم وأداء الاقتصاد مجرد فرضية، بل هو حقيقة مؤكدة. تشير الحسابات التي أجراها إريك هانوشيك ، الخبير الاقتصادي وكبير الزملاء في معهد هوفر بجامعة ستانفورد ، إلى “أن بلدان منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية يمكن أن تخسر 260 تريليون دولار أمريكي من الناتج الاقتصادي على مدى عمر الجيل الذي ولد هذا العام لأن النظم المدرسية لا تقدم ما تؤكد أفضل نظم التعليم أداءً أنه يمكن تحصيله. وهو يؤكد أن ضعف نظم التعليم لها تأثير معادل للركود الاقتصادي الكبير!” (في كتاب طراز عالمي: كيف نبني نظاما مدرسيا للقرن الواحد العشرين، 2018).

أختتم مقالي هذا بمقولة للسير كين روبنسون في كتابه الرائع مدارس مبدعة: «إن الإبداع قد تم خنقه بمناهج محملة بشكل زائد ، وأصبحنا بحاجة ماسة إلى إعادة تشكيل أهداف التعلم، والمناهج الدراسية، وأساليب التدريس، والتقييم، والممارسات الصفية». وهذا موضوع مقال قادم إن شاء الله.

 

عن admin

شاهد أيضاً

عشرة أخطاء في التفكير

د. أسامة محمد إبراهيم  أستاذ علم النفس التربوي – جامعة سوهاج هناك الكثير من أخطاء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *