الرئيسية / مقالات / آلة الأخبار الزائفة … بين السياسة والمال

آلة الأخبار الزائفة … بين السياسة والمال

د. أسامة محمد عبدالمجيد إبراهيم

أستاذ علم النفس التربوي – جامعة سوهاج – مصر

هناك العديد من المواقع والجهات التي تقوم يوميا بنشر الأكاذيب على مواقع الإنترنت لأهداف مختلفة لدرجة أنها باتت “تقتل عقول الناس”. فمن خلال وسائل التواصل الاجتماعي يُنشر يومياً ملايين الأخبار الكاذبة لأهداف سياسية تحريضية بين الفرقاء السياسيين، أو بهدف كسب المال. وللأسف الكثير منا يتداول من هذه الأكاذيب ما يتفق مع توجهاته الفكرية دون الكثير من التمحيص، ربما لاعتقاده أنها تخدم أهدافا “نبيلة”، أو لأنها تبدو منطقية بالنسبة له.

ظهرت في الآونة الأخيرة، عدة مصطلحات تم تداولها في الإعلام على نطاق واسع مثل: “الأخبار الزائفة” Fake News و”الوقائع البديلة” Alternative Facts. والأخبار الزائفة ليست بالأمر الجديد، فقد عرفت منذ زمن بعيد جدا، لكن هذا المصطلح تحديدا ذاع انتشاره في الآونة الأخيرة بعد أن استخدمه الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” أثناء حملته الرئاسية في معرض رده على الاتهامات الموجهة إليه من منافسيه أو تلك التي كانت توردها وسائل الإعلام التقليدية المختلفة. وهذا المصطلح يصف الأخبار المجهلة وغير الموثقة، أو تلك الملفقة تماما والتي تهدف إلى خداع القراء أو المشاهدين. يقصد بهذه الأخبار أحيانا مجرد انتزاع الإعجاب، وفي أحيان أخرى يكون الهدف منها مقاصد سياسية، وخاصة في مواسم الانتخابات، حيث يجري تلفيق الأخبار على نحو ممنهج. أما مصطلح «الوقائع البديلة» فهو يشير إلى “تزييف الواقع بتضخيم الأحداث أو خلق أحداث بديلة عنه” وهو بذلك لا يبتعد كثيرا عن الأخبار الزائفة؛ فنقل جزء من الحقيقة أو تغيير سياقها هو نوع من تزييف الحقائق..

ويجب التنبيه هنا إلى أن الأخبار المزيفة ليست بالضرورة هي الأخبار الغربية، أو تلك التي لا تناسب أفهامنا وتصوراتنا، بل هي تلك الأفكار المجهلة وغير الموثقة، سواء من حيث مصدر نشرها أو قائلها. وبشكل عام تشير هذه الظاهرة إلى انفصام الخبر عن الواقع. وقد تزايد انتشار الأخبار الزائفة نتيجة عوامل عديدة منها: الصراعات الأيديولوجية المتنامية، وضعف الشفافية من الجهات المسئولة، وانتشار مواقع التواصل الاجتماعي كمصدر للأخبار، هذا مع تضاؤل دور الإعلام التقليدي، وضعف دور الأحزاب والنخب السياسية، وظهور قيادات شعبوية بديلة.

وقد شاع في الآونة الأخيرة استخدام الأحزاب السياسية المختلفة لشبكات التواصل المختلفة لتشويه خصومها عبر أخبار زائفة، وهو تكنيك يتطور يوما بعد يوم، حتى أن يعض الصحفيين المتمرسين يقعون أحيانا في هذا المستنقع.

لقد أضحت الأخبار الزائفة مشكلة حقيقية، وشاعت هذه الظاهرة في وسائل الإعلام الرقمي بعد التوسع في قدرات نشر الأفلام والأخبار والصور على الفيسبوك ومواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، ولكن دون العودة إلى مصدر يوثق الخبر. وفقا لبحث  نشرته Trend Micro بعنوان آلة الأخبار الزائفة The Fake News Machine، أضحت تقنيات نشر الأخبار الزائفة وتضخيم الواقع والتلاعب بالعواطف تجارة ارتبطت بالترويج والدعاية بأنواعها, وتستخدم من قبل مجرمي الانترنت لإدارة وخلق المؤامرات السياسية. وتوضح هذه الدراسة كيف أن مرتكبي الجريمة الالكترونية أصبح لديهم مجموعة واسعة من الأهداف (وربما السلع)، حيث يقومون بإنتاج الأخبار المفبركة وتسويقها بأساليب خاصة على الانترنت. على سبيل المثال يمكن إنشاء شخصية مشهورة وهمية مع ثلاثمئة ألف متابع على الانترنت بتكلفة ألفين وستمائة دولار فقط. ويشير التقرير عن توفر حملة لمدة عام كامل بكلفة أربعمائة ألف دولار بهدف التأثير على نتائج الانتخابات.

 في الواقع، إن قضية الأخبار الزائفة لم تعد مجرد حديث عن مؤامرة مصطنعة، بل أضحت واقعا، حيث تحولت بمرور الوقت وعلى أيدي محترفي التقنية إلى مجموعة من الخدمات الاحترافية. فكل ما تشاهده على صفحات التواصل بداية من أعداد المتابعين وعدد الإعجابات (الليكات) وعدد مشاهدات فيديوهات على اليوتيوب هي موضوع لخدمات صناعة الأخبار الزائفة التي تتلاعب بالأحداث والرأي العام، وتخلق شخصيات مجتمع وهمية!!

 وهذا كله دعا عمالقة التكنولوجيا مثل غوغل وفيسبوك للتعاون لتأسيس منصات للتحقق من مصداقية الأخبار وصحتها. كما دعا بعض الدول مثل ألمانيا وبريطانيا وفرنسا والاتحاد الأوروبي إلى دراسة إصدار قوانين يعاقب على بث المعلومات الكاذبة والأخبار الزائفة.

على مستوى العمل الاجتماعي، ونظرا لخطورة الأمر الذي نلمسه جميعا، فإنني أقترح على أقسام الإعلام بالجامعات ومراكز الشباب العمل على تدريب الشباب على التعرف إلى الأخبار الزائفة، للتأكد من صحة المعلومات من أجل زيادة اليقين السياسي لديهم خاصة في هذه المرحلة الدقيقة، وفي ظل تنوع قنوات تدفق البيانات. وأعتقد أن الأمر لا يحتاج إلى دراسة متخصصة، لكن فقط إلى دورات توعوية حول كيفية التحقق من صحة الخبر، فالأخبار الزائفة عادة ما تنشر في مواقع مجهولة وتحمل روابط Links غريبة، وقد تحمل إعلانات غريبة أيضا وغالبا ما تكون مخلة وفاضحة، وقد يكون وراء ذلك بحث هذه المواقع عن المال. والأخبار الصحيحة في الغالب تشير إلى مصادر محددة وموثوقة عكس الأخبار الزائفة فمصادرها مجهلة. ويمكن أن يضاف إلى ذلك التعرف على عمليات التحيز والانتقائية التي لا تقل خطورة عن الأخبار الزائفة.

قد يكون من الصعب الكشف عن هوية صانعي المواقع الإلكترونية المختصة بنشر الأخبار الزائفة. لكنه ليس من الصعب تدريب الشباب على كشف الأخبار الزائفة ناهيك عن رسائل التحريض ومن ثم إبطال مفعولها. للأسف ليس هناك حل تقني لهذه المعضلة، ويقع الأمر برمته على كاهل المتلقي. إن نجاح هذه التجارة الخبيثة أو فشلها يتوقف بدرجة أساسية على وعي المتلقي للأخبار. ومن هنا تأتي أهمية تدريب الشباب على كيفية التحقق من المصادر الرسمية ومقاطعة مواقع الأخبار الزائفة حتى لا يتحول المتلقي إلى ترس داعم لهذه التجارة التي تنشر الأخبار الزائفة.

 

لمزيد من المعلومات حول تقرير Trend Micro عن آلة الأخبار الزائفة، يمكن تحميل البحث كاملا من الرابط التالي:

https://documents.trendmicro.com/assets/white_papers/wp-fake-news-machine-how-propagandists-abuse-the-internet.pdf

 

 

 

 

 

عن admin

شاهد أيضاً

دور العلوم الإنسانية في ظل الثورة الصناعية الرابعة

د. أسامة محمد إبراهيم أستاذ علم النفس التربوي – جامعة سوهاج – مصر تضع الثورة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *