الرئيسية / مقالات / أهمية الغباء في البحث العلمي

أهمية الغباء في البحث العلمي

أ. د. أسامة محمد إبراهيم
أستاذ علم النفس التربوي – جامعة سوهاج – جمهورية مصر العربية

 

وأنا أتصفح أحد المواقع العلمية، جذبني عنوان مقال للدكتور مارتن شوارتز في “مجلة علوم الخلية” بعنوان “الغباء في البحث العلمي”، وقد استوقفني ما يحمله العنوان من تناقض لا يخلو من فلسفة معرفية/ابستمولوجية شقية من الضروري للباحثين وطلبة العلم عموما أن يدركوها جيدا، فأحببت أن أتشاركه مع قراء زاويتي الأسبوعية لما يحمله من دروس مفيدة لكل من الأساتذة والباحثين وطلبة العلم:

يقول دكتور شوارتز: التقيتُ مؤخراً بصديقة قديمة لم أرها منذ سنوات عديدة. كنا زملاء في مرحلة دكتوراه؛ كلانا كان يدرس العلوم لكن في مجالات مختلفة. كانت هذه الصديقة قد تخرجت من المدرسة العليا، وذهبت إلى كلية الحقوق بجامعة هارفارد، وهي الآن محامية كبيرة في منظمة بيئية رئيسية. في مرحلة ما، تحول حديثنا إلى سبب تركها للدراسات العليا. وقد أدهشني ردها، قالت: كان ذلك ببسبب شعوري بالغباء. بعد عامين من الشعور بالغباء كل يوم، كنت مستعدة للقيام بشيء آخر.

لقد كانت فكرتي عنها أنها واحدة من ألمع الأصدقاء الذين عرفتهم، وتطورها الوظيفي لاحقًا يدعم هذا الرأي. ما قالت لي أدهشني. ظللت أفكر في ذلك. لقد صدمتني العبارة. العلوم تجعلني أشعر بالغباء أيضا. فقط أنا اعتدت عليه، في الواقع ، أن أبحث بهمة عالية عن فرص جديدة لأشعر بأنني غبي. لا أعرف ماذا أفعل بدون هذا الشعور، حتى أنني أعتقد أنه يجب أن يحدث الأمر على هذا النحو. دعني أشرح لكم.

بالنسبة لنا جميعا تقريبًا ، كان أحد الأسباب التي جعلتنا نفضل دراسة العلوم في المدرسة الثانوية والكليات هو أننا كنا جيدين في ذلك. هذا بالتأكيد ليس السبب الوحيد؛ فهناك أيضا الإفتتان بفهم العالم المادي والرغبة الانفعالية في اكتشاف أشياء جديدة. لكن دراسة العلوم في المدرسة الثانوية والكلية تعني أخذ مقررات، والقيام بعمل جيد في هذه المقررات يعني الحصول على الإجابات الصحيحة في الاختبارات. إذا كنت تعرف هذه الإجابات، فأنت تعمل بشكل جيد، ومن ثم تشعر بالذكاء.

إن شهادة الدكتوراه ، التي يتعين عليك فيها القيام بمشروع بحثي هي أمر مختلف تمامًا. بالنسبة لي، كانت الدكتوراة مهمة شاقة. كيف أتمكن من صياغة الأسئلة التي من شأنها أن تؤدي إلى اكتشافات مهمة ؛ تصميم وتفسير تجربة بحيث تكون الاستنتاجات مقنعة تماما؛ توقع الصعوبات ورؤية الطرق الممكنة، أو في حالة فشل ذلك، حلها عند حدوثها؟ أطروحتي كانت مشروعا متعدد التخصصات إلى حد ما، ولفترة من الوقت، كنت كلما واجهت مشكلة، قمت بإزعاج أعضاء هيئة التدريس في وزارتي الذين كانوا خبراء في التخصصات المختلفة التي أحتاجها. أتذكر اليوم الذي أخبرني فيه هنري تاوب (الذي فاز بجائزة نوبل بعد عامين) أنه لا يعرف كيف يحل المشكلة التي كنت أواجهها في مجاله. كنت طالبا في السنة الثالثة في الدراسات العليا ، وإنني أعتقد أن تاوب يعرف أكثر مما أعرف بألف مرة (تقديرات متحفظة). إذا لم يكن هو لديه الجواب، فإن أحد غيره لن يعرف الإجابة!

هذا صدمني بقوة: لا أحد يعرف! لقد كان هذا هو سبب أنها “مشكلة بحث”. ولكونها مشكلة بحثي الخاص، كان علىَّ أنا أن أحلها. وبمجرد أن واجهت هذه الحقيقة، حللتُ المشكلة في بضعة أيام (لم يكن الأمر صعبًا للغاية ؛ فقد كان علي أن أحاول بضعة أشياء). الدرس الأساسي هو أن نطاق الأشياء التي لم أكن أعرفها لم يكن فقط ضخما، لقد كان، بطريقة عملية، لا نهائي. هذا الإدراك، بدلا من كونه محبطا، كان محرراً لي. إذا كان جهلنا لانهائي، فإن المسار الممكن الوحيد للعمل هو محاولة التحرك عبر هذه الفوضى للوصول إلى نتيجة إيجابية على أفضل وجه ممكن.

أود أن أقول إن برامج درجة الدكتوراه لدينا في كثير من الأحيان يصيب الطلاب بالضرر بطريقتين. أولاً ، لا أعتقد أن الطلاب يُفهمون مدى صعوبة القيام بالأبحاث، وكيف أنه من الصعب جدا القيام بأبحاث مهمة. إنه أصعب بكثير من أخذ دورات صعبة للغاية. ما يجعل الأمر صعبًا هو أن البحث أشبه بالغوص في مياه مجهولة. نحن لا نعرف ما نفعله. لا يمكننا التأكد مما إذا كنا نطرح السؤال الصحيح أو نجري التجربة الصحيحة حتى نحصل على الإجابة أو النتيجة. من المسلم به أن العلم أصبح أكثر صعوبة بسبب التنافس على المنح والمساحة في المجلات الكبرى. ولكن بصرف النظر عن كل ذلك ، فإن إجراء أبحاث مهمة هو أمر جوهري في حد ذاته، ولن تنجح السياسات الإدارية أو المؤسسية أو الوطنية المتغيرة في تقليل هذه الصعوبة الجوهرية.

ثانياً ، نحن لا نقوم بعمل جيد بما يكفي لتعليم طلابنا كيف يكونون أغبياء منتجين – أي إذا لم نشعر بالغباء فهذا يعني أننا لا نحاول فعلاً. أنا هنا لا أتحدث عن “الغباء النسبي”؛ الذي يعني أن يقوم الطلاب الآخرون في الفصل بقراءة المادة والتفكير فيها ثم الامتحان، بينما أنت لا تفعل ذلك. كما أنني لا أتحدث عن الأشخاص الأذكياء الذين قد يعملون في مجالات لا تتناسب مع مواهبهم. ينطوي العلم على مواجهة غبائنا المطلق. هذا النوع من الغباء هو حقيقة وجودية، متأصلة في جهودنا لدفع طريقنا إلى المجهول. يكون لدى الاختبارات التمهيدية للرسالة فكرة صائبة عندما تضغط لجنة الكلية على الطالب إلى أن يبدأ الطالب في الوصول إلى إجابات خاطئة أو يستسلم ويقول: “لا أعرف”! ليس الهدف من الاختبار هو معرفة ما إذا كان الطالب يعرف جميع الإجابات الصحيحة أم لا. إذا فعلت الكلية ذلك، فإنها هي التي تكون بذلك قد فشلت في الامتحان. إن الهدف من ذلك هو تحديد نقاط ضعف الطالب، جزئياً لمعرفة أين يحتاج إلى استثمار المزيد من الجهد، ومن ناحية أخرى لمعرفة ما إذا كانت معرفة الطالب تفشل أو تتوقف عند مستوى عالٍ بدرجة كافية تسمح لهم بالقيام بمشروع بحثي.

“الغباء المنتج” يعني أن تكون جاهلاً باختيارك. إن التركيز على أسئلة مهمة يضعنا في موقف محرج كوننا جاهلين. أحد الأشياء الجميلة المتعلقة بالعلم هو أنه يسمح لنا بالتعايش مع الشعور بالفشل مرة بعد أخرى، أو الشعور بالكمال طالما أننا نتعلم شيئًا جديدا في كل مرة. لا شك أن هذا قد يكون صعباً بالنسبة للطلاب الذين اعتادوا أن يحصلوا دوما على الإجابات الصحيحة. ولا شك في أن المستويات المعقولة من الثقة والمرونة الانفعالية قد تساعد، لكني أعتقد أن التربية العلمية يمكن أن تفعل المزيد لتسهيل هذا التحول الكبير للغاية – من أن تتعلم ما اكتشفه الآخرون في يوم ما، إلى أن تحقق أنت اكتشافاتك الخاصة. وكلما أصبحنا أكثر راحة مع كوننا أغبياء، تعمقنا أكثر في المجهول، وكان من الأرجح أن نقوم باكتشافات كبيرة.

عن admin

شاهد أيضاً

دور العلوم الإنسانية في ظل الثورة الصناعية الرابعة

د. أسامة محمد إبراهيم أستاذ علم النفس التربوي – جامعة سوهاج – مصر تضع الثورة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *