الرئيسية / الموهبة والإبداع / الاستثنائيون: ما الذي يصنع النجاح؟

الاستثنائيون: ما الذي يصنع النجاح؟

د. أسامة محمد إبراهيم

أستاذ علم النفس التربوي، جامعة سوهاج – جمهورية مصر العربية

يناقش مالكولم غلادويل في كتابه “الاستثنائيون” Outliers موضوع النجاح، وما الذي يجعل بعض الأفراد ناجحين أو أثرياء أو مشهورين. قد لا تكون كلمة Outliers جديدة، فهي – من الناحية اللغوية – تشير إلى شيء خارجي يقع بعيدًا عن مكان ما، أو يُصنف بشكل مختلف عن السواد الأعظم؛ شخص أو شيء أو حقيقة مختلفة تمامًا عن الأشخاص أو الأشياء أو الحقائق الأخرى، لكن المؤلف يستخدم الكلمة بشكل مجازي ليعتبر بها عن الأشخاص المتميزين أو الاستثنائيين في مجالاتهم أو خبراتهم.

يشير غلادويل بأنه عند دراسة الأشخاص الناجحين بدرجة استثنائية، فإننا نولي الكثير من الاهتمام بالسمات الشخصية لهؤلاء الاستثنائيين، في حين نُعير القليل من الانتباه إلى البيئة التي نشأوا فيها، أي ثقافتهم، وأسرهم، وجيلهم، والتجارب الفريدة التي مروا بها في تربيتهم. يوضح المؤلف أن هناك شيئا خاطئا في هذا التناول. إن النجاح ليس مجرد دالة بسيطة على الجدارة الشخصية للفرد، بل إن المجتمع الذي ينشأ فيه هؤلاء الأفراد الاستثنائيون، والقواعد والقيم التي اختار مجتمعهم أن يسلكها (كمجتمع) هو أيضا من الأهمية بمكان. لتقديم فهم أفضل للنجاح، يسرد المؤلف أسرار المليارديرات في مجالات متنوعة مثل البرمجيات والموسيقى والرياضة … ما الذي يجعل الآسيويين بارعين في الرياضيات، وكيف أصبح المحامون اليهود في أمريكا أكثر المحامين شهرة ؟

يرى المؤلف أن من الخطأ حقا ألا نأخذ في الحسبان السياق الاجتماعي – السياسي الذي ولد فيه الشخص والذي برز من خلاله. إن فكرة أن قيم العالم الذي نعيش فيه والأشخاص الذين نحيط أنفسنا بها تمارس تأثيرا عميقا على من نحن عليه هو ما يحاول أن يبرزه لنا هذا الكتاب بأسلوب ماتع ومقنع.

إن النجاح الاستثنائي، في أي مجال، يستلزم أيضا تكريس كبير لجهد غير عادي، وموهبة، وظروف محيطة موفقة (أو ما يطلق عليه البعض الحظ السعيد). إن عامل الفرصة مهم في تشكيل النجاح وإن لم يعترف الكثيرون بذلك صراحة؟ تتحدث معظم قصص النجاح المتداولة في مجتمعاتنا عن بطل يعمل بجد ليل نهار بلا كلل، حتى يصل أخيرًا إلى النجاح. قد يبدو هذا محفزًا للغاية، ولكن هل يمكن أن يساعدنا العمل الشاق بمفرده في الوصول إلى النجاح؟ هناك بعض الحظ، يجب أن تأتي الفرصة المناسبة في الوقت المناسبة.

لقد كان بيل غيتس ذكيًا، لكنه نشأ أيضًا عندما كان الكمبيوتر الشخصي قد تطور، مما أتاح له فرصًا للابتكار وإنشاء برامج جديدة. هل تعتقد أن بيل غيتس كان غيتس الذي نعرفه اليوم لو لم يولد في سياتل ويدرس في مدرسة ليكسايد؟ كانت مدرسة ليكسايد واحدة من أوائل المدارس التي اشترت جهاز كمبيوتر للطلاب (كانت أجهزة الكمبيوتر تلك الأيام باهظة الثمن، وكانت تعمل بنظام المشاركة الزمنية أو Time share). عندما نفدت أموال المدرسة، تمكن من التحرك إلى الكلية القريبة في الحي الذي كان يقيم فيه لمواصلة شغفه بالكمبيوتر. ماذا لو لم يولد غيتس في سياتل، ولم يدرس في مدرسة ليكسايد؟!

لكن النجاح، في المقابل، يتطلب تحقيق توازن مثالي بين الحظ والعمل الجاد. قد يجلب الحظ لنا الفرص، لكن العمل الجاد يساعدنا على أن نكون مستعدين للاستفادة منه. وهنا تبدو قاعدة 10،000 ساعة مقنعة للغاية بالنسبة لي، فهي تتطلب العمل الجاد والالتزام بأن أكون خبيرًا في مجال أو مهارة ما. فعندما تأتي الفرصة يجب أن نكون مستعدين لها، فالحظ يحابي العقل المستعد.

تتحدى رؤية غلادويل تفكير القراء حول الذكاء والنجاح والشهرة بطريقة ممتعة. فعلى الرغم من أن الكتاب يعتمد بشكل أساسي على سرد قصص نجاح شخصيات استثنائية، وهو أمر تكرر في كتابات عديدة، إلا أنه يبدو كما لو كان يقول لنا ما نسي الآخرون أن يقولوه.

عن admin

شاهد أيضاً

دور العلوم الإنسانية في ظل الثورة الصناعية الرابعة

د. أسامة محمد إبراهيم أستاذ علم النفس التربوي – جامعة سوهاج – مصر تضع الثورة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *