الرئيسية / مقالات / التَّجرِبَة الجَماليّة في الرِّياضيات: “تساؤلات ومقترحات تربوية”

التَّجرِبَة الجَماليّة في الرِّياضيات: “تساؤلات ومقترحات تربوية”

أ.د. أسامة محمد عبدالمجيد إبراهيم

أستاذ علم النفس التربوي – جامعة سوهاج

إن الفلسفة مدونة في هذا الكتاب العظيم –الكون- المفتوح  أمام أنظارنا، والذي لا يمكننا فهمه ما لم نفهم اللغة التي كتب بها. لقد كتب بلغة الرياضيات، وحروفها هي المثلثات والدوائر والأشكال الهندسية الأخرى، التي لا يمكن للإنسان بدونها أن يفهم كلمة واحدة من هذا الكتاب. (غاليليو غاليلي، 1623)

يتناول “علم الجمال” الخبرة الجمالية وطبيعة شعورنا وإحساسنا بالجمال. نحن نفكر في علم الجمال عندما نتساءل لماذا تبدو بعض الأشياء جميلة، وحينما نتساءل عن القواعد الأساسية التي يمكن أن تفسر عناصر الجمال في اللوحات الفنية والقصائد، والموسيقى الجيدة. ولا يكاد يخلو عمل فيلسوف- قديما وحديثا- من تناول موضوع الجمال، بداية من أفلاطون وأرسطو إلى الفارابي، وبن سينا، وأبي حامد الغزالي، والتوحيدي وكانط وغيرهم.

هناك العديد من المصادر المختلفة للجمال: الوجه الجميل، المناظر الطبيعية الخلابة، اللوحات الفنية، والسيمفونيات الموسيقية الرائعة، وغيرها من الخبرات الحسية. ولكن التجربة الجمالية ليست مرتبطة بالخبرات الحسية فحسب، فهناك مصادر أخرى عقلية (غير حسية) تجعلنا نشعر بالخبرة الجمالية ذاتها. وكما تتنوع مصادر التجربة الجمالية، تتنوع وجهة نظر الفنان والعالم والفيلسوف وعالم النفس وعالم دراسة الجملة العصبية في تفسير هذه الظاهرة.

كثيرا ما تحدث علماء الطبيعة عن انفعالاتهم حيال اكتشافاتهم العلمية بعبارات انفعالية قوية، كتلك التي غالبا ما  تثيرها الأعمال الفنية الرائعة. عبَّر بعض علماء الرياضيات بانفعال عن النشوة التي تواكب لحظات الاستبصار الرياضي، وعن الأهمية الكبيرة للخبرة الجمالية الكامنة في البراهين والنظريات. كما تحدث علماء كبار في الفيزياء مثل كبلر ديراك واينشتاين، وفي علم الأحياء مثل داروين وواتسون وكريك، صراحة عن جمال نظرياتهم العلمية وأناقتها، بل ذهب بعضهم إلى حد اعتبار الوفاء بالمعايير الجمالية كمؤشر على حقيقة النظريات العلمية.

كان الاهتمام بالرياضيات البحتة جزءا من تجربة الحضارات المختلفة، بما في ذلك حضارة الإغريق القدماء، الذين اهتموا بالرياضيات لجمالها. وعبر علماء من خارج حدود الرياضيات البحتة عن الجمال الرياضي، حيث عزا بعض الفيزيائيين الرياضيين المتعة الجمالية في نظرية آينشتاين للنسبية العامة إلى “الجمال الرياضي العظيم”.

يصف الجمال الرياضي فكرة أن بعض علماء الرياضيات قد تستمد المتعة الجمالية من عملهم، ومن الرياضيات بصورة عامة. وهم يعربون عن بهجتهم بالتجربة الرياضية بوصف بعض صيغ الرياضيات بأنها في منتهى الروعة والجمال. وصف علماء الرياضيات الصيغ الرياضية كشكل من أشكال الفن، أو على الأقل، كأحد الأنشطة الإبداعية. وكثيرا ما جرى مقارنة البهجة والمتعة بالرياضيات بتلك التي تولدها الموسيقى والفنون البصرية والشعر.

عند النظر في نظرية ما، يقدر العلماء صفات جمالية مثل الوحدة والبساطة والتماثل في النظرية التي تعرض هذه الخصائص، وهذا يجعلنا ندرك أن هناك تناسبا واضحا بين ظواهر الطبيعية وقدرتنا على فهم هذه الظواهر.

وصف برتراند راسل إحساسه بالجمال الرياضي بقوله: “إن الرياضيات لا تمتلك الحقيقة فحسب، بل تمتلك أيضا الجمال الأسمى – الجمال البارد والمتقشف، مثل النحت .. إنها قادرة على إظهار الكمال النقي، تماما مثلما يفعل الفن الراقي. إنها روح حقيقية من الفرحة والتمجيد”.

حديثا، حاول بعض العلماء في مجال علم الأعصاب تقديم تفسير للتجربة الجمالية التي يمر بها علماء الرياضيات، وذلك عوضا عن التفسيرات الميتافيزيقية التقليدية التي تربط بين الحقيقة والجمال، والمفاهيم المعاصرة السائدة التي تفسر هذا الارتباط بأنها محض ارتباط عرضي أو شرطي.

في ورقة جديدة نشرت في مجلة حدود علم الأعصاب البشرية Frontiers in Human Neuroscience استخدم الباحثون التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) لصور نشاط الدماغ لدى خمسة عشر عالما من علماء الرياضيات عندما عرض عليهم صيغ رياضية كانت قد صنفت سابقا بأنها جميلة، محايدة، أو قبيحة. أظهرت النتائج أن تجربة الجمال الرياضي ترتبط مع النشاط في نفس الجزء الانفعالي من الدماغ – القشرة الأمام جبهية الأنسي (منطقة من القشرة قريبة من منتصف الدماغ، يعتقد أنها تتدخل في عواطف معقدة وعمليات التقييم)-  تماما كالنشاط الذي يحدث عندما نمر بخبرة الجمال الناشئ عن الفن أو الموسيقى.

لقد أثبتت النتائج أن الأفراد الذين يُقدِّرون جمال الرياضيات يُنشِّطون نفس الجزء من الدماغ الذي ينشط لدى الأفراد الذين يقدرون جمال الأعمال الفنية، مما يوحي بأن هناك أسس العصبية حيوية للجمال.

قال البروفسور سمير زكي، الباحث الرئيس للورقة من مختبر بيولوجيا الأعصاب في كلية لندن الجامعية: “بالنسبة للكثيرين منا تظهر الصيغ الرياضية جافة وصعبة، ولكن بالنسبة لعلماء الرياضيات يمكن أن تجسد معادلة رياضية منتهى حدود الجمال”. قد ينجم جمال الصيغة الرياضية عن البساطة، أو التناسق، أو الأناقة أو التعبير عن الوصول إلى حقيقة مطلقة. بالنسبة لأفلاطون، فإن الطبيعة المطلقة للرياضيات تعبر عن منتهى حدود الجمال”.

“وهذا يجعل من المثير للاهتمام معرفة ما إذا كانت خبرة الجمال المستمدة من مثل مصدر عقلي راقي ومجرد كالرياضيات، ترتبط بنشاط في نفس الجزء العاطفي من الدماغ كتلك التي تستمد من مصادر أكثر حسية”.

في الدراسة، أعطي كل عالم (60) صيغة رياضية لاستعراضها في أوقات الفراغ وتقيمهما على مقياس من (-5) قبيح إلى (+5) جميل، وفقا لمدى إدراكهم لجمال هذه الصيغ. وبعد أسبوعين طلب منهم إعادة تقييم هذه المعادلات لكن أثناء خضوعهم لماسح الرنين المغناطيسي الوظيفي fMRI.

وكانت المعادلات التي تم تصنيفها باستمرار بأنها معادلات جميلة (سواء قبل أو أثناء عمليات الفحص) هي: متطابقة ليونارد أويلر، ومتطابقة فيثاغورس، ومعادلات كوشي-ريمان. ارتبطت متطابقة ليونارد أويلر بالثوابت الرياضية الأساسية الخمسة بثلاث من العمليات الحسابية الأساسية، كل منها تحدث مرة واحدة، وقد تم تشبيه جمال هذه المعادلة بمناجاة النفس (مونولوج) في رواية هاملت.

قال دكتور زكي: “لقد وجدنا أن النشاط في الدماغ يرتبط ارتباطاً وثيقا بالكيفية الانفعالية التي عبر العلماء بها عن خبرتهم الجمالية حتى في هذا المثال حيث مصدر الجمال مجرد للغاية، وهذا يجيب على سؤال حاسم في الدراسة علم الجمال، وهي ما إذا كانت الخبرات الجمالية يمكن قياسها كمياً”.

وأضاف زكي: “لقد وجدنا أنه كما في خبرة الجمال المرئي أو الموسيقي، يرتبط النشاط العقلي في الدماغ ارتباطاً وثيقا بمدى إدراك الأفراد لخبرة الجمال – حتى في هذا المثال الذي كان مصدر الجمال غاية في التجريد. وهذا يجيب على سؤال مهم في دراسة علم الجمال، السؤال الذي كان محل نقاش منذ العصور الكلاسيكية، حول مدى إمكانية قياس الخبرات الجمالية كميا”.

وفي نهاية هذا المقال أود أن أوجه انتباه الباحثين والتربويين إلى ثلاث قضايا رئيسة:

أولا: من المهم توجيه مزيد من الانتباه إلى التجربة الجمالية عند تدريس الرياضيات والعلوم بنفس القدر الذي نفعله مع المحتوى المعرفي؛ إن أي مجال معرفي له أبعاده الوجدانية المهمة التي يجب العناية بها، فإلى جانب إكساب المتعلمين المفاهيم والأفكار الأساسية والعلاقات التي تشكِّل العلوم فإنهم بحاجة أيضا إلى التمييز والتذوق والانفعال بهذه المعرفة، فهم في حاجة إلى تذوق الصلة بين العلوم ومظاهر الثقافة في المجتمع، وكذلك تذوق جماليات العلوم وجمال القدرة على حل المشكلات، وتذوق جمال القيم التي تؤثر وتتأثر بالعلم.

ثانيا: إن تجربة الجمال تقدم استجابة عاطفية لوعينا بأن النظرية تساعدنا على اكتساب الفهم. وإنني أقترح دراسة الفكرة القائلة بأن التركيز على السمات الجمالية للمعرفة والنظريات يمكن أن يوفر دليلا إرشاديا للعلم. كما اقترح على الباحثين في مجال التربية وعلم النفس بالاهتمام بالبحث في مجال التجربة الجمالية وعلاقتها بتعزيز الفهم العميق للتعلم وبناء نسق أوسع وأكثر اتساقا وتناغما وتماسكا للمعرفة.

وأخيرا، أود أن أقول إن علم النفس التقليدي ما زال بعيدا عن ربط الظواهر السلوكية المختلفة بوظائف الدماغ، لكن هناك تغييرات تجري ضمن هذا المجال، وسوف يحمل المستقبل القريب معه مفاجآت بشأن علم دراسة الجملة العصبية والتي قد تقدم فهما أوضح للمعضلات التي تواجه علم النفس، وإلى أن يحدث ذلك على الباحثين في مجال علم النفس محاولة ردم الهوة بين علم النفس وبين علم الأحياء عن طريق محاولة دراسة العمليات المعرفية وعلاقتها بوظائف الدماغ.

لمزيد من المعلومات عن دراسة: The experience of mathematical beauty and its neural correlates يمكن الرجوع إلى الرابط التالي:

https://www.frontiersin.org/articles/10.3389/fnhum.2014.00068/full

 

 

 

عن admin

شاهد أيضاً

دور العلوم الإنسانية في ظل الثورة الصناعية الرابعة

د. أسامة محمد إبراهيم أستاذ علم النفس التربوي – جامعة سوهاج – مصر تضع الثورة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *