الرئيسية / الموهبة والإبداع / الخبرة وسر الأداء الإبداعي

الخبرة وسر الأداء الإبداعي

 

 

أ. د. / أسامة محمد إبراهيم

أستاذ علم النفس التربوي بجامعة سوهاج – مصر

الخبرة هي الإتقان عالي المستوى للمعرفة الإجرائية الصريحة والضمنية لمجال ما. ويقدر الباحثون عدد وحدات المعرفة الصريحة الأساسية للخبراء بنحو مائة ألف وحدة أو أكثر من المعلومات والمهارات المعرفية الإبداعية والمتقاربة. قد يستغرق بناء الأداء الخبير نحو عشر سنوات من العمل الجاد أو 10.000 ساعة من التدريب الهادف والمدروس (وهو ما يعرف بقاعدة العشرة آلاف ساعة). وحال اكتساب هذه المعرفة، يستطيع الخبير حل المشكلات ووضع تصاميم جديدة بطلاقة، وسهولة، وثقة.

يعتقد كثير من الباحثين اليوم أن الخبرة لا تعتمد بشكل أساسي على القدرة العقلية قدر اعتمادها على التدريب الهادف والمدروس. ولهذا فإن نصيحة الخبراء للمبتدئين دوما هي الممارسة، ثم الممارسة، ثم الممارسة (الهادفة والمدروسة).

قد يقوم معلم بتدريس مادته بالطريقة نفسها لسنوات عديدة، معتقدا أن الممارسة في نهاية المطاف سوف تحسن تلقائيا من أدائه. لكن للأسف مثل هذا المعلم ليس من المحتمل أن تطرأ تحسينات جوهرية على أدائه توازي سنوات عمله، فهو يكرر نفس الخبرة دون أن يضيف إليها شيء (مجرد خبرة سنة واحدة تكررت عشرين مرة!).

إن نقل المعرفة هي مجرد تكرار للتعلم المعتمد على الذاكرة، أمّا الاحتفاظ الطلق والعملي بالمعرفة المنظمة عقليًا بصورة جيدة والقابلة للاسترجاع بسهولة، يعدّ مكوّنًاً أساسياً للأداء الرفيع المستوى. إن القاعدة المعرفية المنظمة جيدًا ضرورية في جميع عمليات المعالجة المعرفية المتطورة. ولهذا، فمن المفترض أن تتميز قاعدة معلومات الخبير ليس بالاتساع فحسب، ولكن أيضًا بالتنظيم الجيد ضمن فئات وعلاقات مترابطة، وبطريقة تسهّل استرجاعها لتستخدم في عمليات معرفية إبداعية عالية المستوى.

ويختلف الخبراء في قدرتهم على حل المشكلات في مجال تخصصهم، حيث يبرع البعض في حل الأنواع المألوفة من المشكلات بسرعة وبدقة، ولكنهم قد لا يظهرون الكفاءة نفسها حال مواجهة مشكلات جديدة.

لذا يميز الباحثون في مجال الخبرة بين نوعين من الخبراء: “الخبراء التكيفيون” في مقابل “الخبراء الروتينيين”. يتميز الخبراء الروتينيون بقدرة عالية على حل المشكلات المألوفة بسرعة وكفاءة، لكن قدراتهم تكون متواضعة عند مواجهة مشكلات غير مألوفة. وفي المقابل، يتميز الخبراء التكيفيون بقدرة على ابتكار إجراءات جديدة مستمدة من معارفهم الخبيرة. فهُم لديهم فهم عالي لجميع خطوات الحل، ولماذا تعمل بعض الإجراءات بنجاح، في حين لا تنجح خطوات أخرى؛ كما يكون لديهم القدرة على تعديل تلك الإجراءات بمرونة عند الحاجة؛ وابتكار إجراءات جديدة عندما لا تكون أي من الإجراءات المعروفة فاعلة، وهو ما يعرف بالمرونة التكيفية.

وتكون المرونة والقدرة على التكيف ممكنة فقط عندما تتوافر لدى الخبير معرفة مفاهيمية متطورة تعطي معنى لكل خطوة من خطوات الحل؛ ومعايير للاختيار بين البدائل الممكنة لكل خطوة ضمن خطوات حل المشكلة.

ومما يساعد على بناء الخبرة التكيفية ما يعرف “بالتفكير في العمل”؛ فعندما يسأل الفرد نفسه لماذا من الضروري القيام بكل خطوة  من خطوات الحل، فإن هذه الأسئلة ستؤدي به إلى تشكيل معرفة مفاهيمية دقيقة حول إجراءات العمل. وعلى الرغم من أن الخبراء قد لا يهتمون كثيرا ببناء المعرفة المفاهيمية بشكل لفظي، إلا أنهم يقومون ببنائها بشكل عملي أثناء حل المشكلات أو أداء المهام.

هذه المعرفة المفاهيمية تمكن الخبراء من بناء نماذج عقلية للهياكل الرئيسية في مجالهم، والتي يمكن استخدامها في عمليات المحاكاة العقلية. لذا فإن العامل الرئيس في الخبرة التكيفية هو تطوير تصورات مفاهيمية أعمق لحقل معرفي ما. هذه التصورات تكون متصلة بمعارف إجرائية، ووعي بعمليات ما وراء المعرفة.

ويفترض الباحثون أن مما يعزز خبرة التكيف ما يسمى بالتنافر المعرفي، وهو الشعور بأن الفهم الحالي حول المشكلة غير كاف للوصول للحل، مما يحفز الفرد على العمل بنشاط من أجل الفهم، بما في ذلك البحث عن معلومات إضافية، وخلق استدلالات جديدة، وغير ذلك.

يرتبط بإثارة التناقض المعرفي عدة إجراءات تعنى باستخلاص الفهم المستمر، وهي: مواجهة مشكلة جديدة لا يمكن التنبؤ بحلها على أساس المعرفة السابقة أو الحالية؛ الانخراط في تفاعل نشط ودؤوب حول الموقف المشكل؛ التحرر من الحاجات الخارجية مثل المكافآت العاجلة؛ وأخيرا، إحاطة الخبير نفسه بمجموعة مرجعية من خبراء المجال الذين يقدِّرون الفهم. هؤلاء الأعضاء يطلق عليهم “المجال” وهم شرط أساسي لتطور أي فن أو علم.

ويمكن توضيح هذه الإجراءات من خلال فهم طبيعة الممارسة التي يشارك فيها الأفراد؛ فعندما تكون الممارسة موجهة نحو حل مشكلات مهنية مثل صنع نفس المنتجات لسنوات، فإن الخبراء في هذه الحالة لا يواجهون مشكلات جديدة، ومن ثم من المرجح تتشكل لديهم خبرات متميزة من حيث السرعة والدقة، والتلقائية، أي خبراء روتينيين. وعلى النقيض من ذلك، عندما تتطلب الممارسة الاندماج في طلبات متنوعة ومتغيرة، مثل صنع منتجات جديدة، عندما يكون على الخبير تطبيق المعرفة المسبقة بمرونة، ومن ثم من المرجح أن يكتسب خبرة تكيفية.

وأخيرا أود أن أختم مقالي بتعليقين تربويين:

أولا- بالتأكيد نحن لا نتوقع من طلاب المدارس أن يصبحوا خبراء في مجال معين. لكن الدمج بين خبرات التعليم المدرسي والخبرات المهنية لتحقيق أهداف وعمليات متشابهة هو أمر مهم ويحتاج إلى جهد تربوي. إن خلق فصل دراسي يعمل فيه الطلاب كمجموعة من الخبراء التكيفيين أمر صعب، ولكنه قد يكون طموحا مشروعا يستلزم جهدا كبيرا من جانب المعلمين.

ثانيا- يلعب التكيف دورًا مهمًا في حياتنا من الناحية الفسيولوجية والاجتماعية على السواء. لكن الأمر المثير هو أن التكيف قد يدّمر الإبداع أحيانًا. تأمل ماذا يفعل شخص لديه قابلية عالية للتكيف، يجد نفسه في بيئة تشجع المسايرة والالتزام؟! هذا الشخص سوف يلتزم بالقوانين التي يفرضها الواقع، مما يؤثر سلبيا على قدرته على التعبير الذاتي والأصالة، وهما متطلبان ضروريان للإبداع. وتشير كثير من المذكرات الشخصية إلى أن القابلية للتكيف والإبداع لا يسيران جنبًا إلى جنب. فبقدر ما تكن قدرتنا على التكيف والمسايرة عالية بقدر ما نفقد من قدرتنا على الإبداع. من المهم أن ننتبه إلى هذه المفارقة ونحن نربي أبناءنا وطلابنا ونعدهم للحياة. تكيف بالقدر الذي لا يفقدك قدرتك على التفرد والاختلاف والتعبير الذاتي الأصيل.

 

عن admin

شاهد أيضاً

دور العلوم الإنسانية في ظل الثورة الصناعية الرابعة

د. أسامة محمد إبراهيم أستاذ علم النفس التربوي – جامعة سوهاج – مصر تضع الثورة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *