الرئيسية / ترجمات / كيف ننشئ ثقافة مؤسسية إيجابية في مدارسنا؟

كيف ننشئ ثقافة مؤسسية إيجابية في مدارسنا؟

ترجمة وتقديم : د. أسامة إبراهيم

ثقافة المؤسسة هي الاتجاهات، والقيم، والسلوكيات، والعادات غير المرئية التي تدير المؤسسة عندما لا يكون المدير أو المسئول موجودا؛ هي روح المؤسسة وهويتها وميثاقها غير المكتوب وأسلوب عملها؛ هي جوهر كل ما هو مرئي وغير مرئي في المؤسسة. تتجلّى ملامح هذه الثقافة في السلوكيات اليومية لمنسوبيها وتفاعلهم داخلياً وخارجياً. تنشأ ثقافة المؤسسة وتتطور مع الوقت ووفقاً للشخصيات والعلاقات والطموحات الخاصة بالأشخاص الموجودين بها، وهي تشكل قيمة مضافة للقيمة السوقية لأي مؤسسة. ويحتاج الأمر إلى قدر كبير من الوقت والطاقة لإنشاء ثقافة إيجابية والحفاظ عليها، ولكنها ضرورية للغاية لجميع المدارس الناجحة.

لخلق ثقافة مؤسسية إيجابية في مدرستك فإنه ينبغي مراعاة عدة جوانب، منها:

الارتباط الوثيق برسالة المؤسسة وقيمها: تشير جميع أساليب التواصل المدرسي بوضوح إلى ما تدور حوله المؤسسة؛ رسالتها، رؤيتها، أهدافها، معتقداتها، وأهدافها. وتعكس جميع المنشورات التي تصدر عن المدرسة وموقعها الالكتروني والخطابات وغيرها روح المدرسة ورسالتها التي تسعى إلى تحقيقها. وعلى الرغم من أهمية مراجعة المدرسة للسياسات والإجراءات المكتوبة سنويًا للاحتفاظ بالمدرسة في مسارها المحدد، إلا أن الثقافة المؤسسية أوسع من ذلك، فهي تشمل بجوار ذلك التصورات والمواقف والعلاقات والقواعد غير المكتوبة التي تؤثر على كل جانب من الممارسات داخل المدرسة، والتي يتم تشكيلها من قبل كل من الرؤى والقيم والممارسات الواعية وغير الواعية.

تطوير بيئة عمل محفزة: تشير دراسات علم الأعصاب إلى أن “إثراء البيئة يثري الدماغ”. تذكر ماريان دايموند، عالمة الأعصاب من جامعة كاليفورنيا، أن البيئة الثرية تؤثر بشكل كبير على تشكيل بنية ووظيفة التغصنات dendrites (التغصنات هي أجزاء من الخلايا العصبية) وتشكيل وسماكة القشرة الدماغية، وبالتالي فهي تعزز نمو الدماغ وتطوره. والبيئة التعليمية الإيجابية هي البيئة التي تحتوي على منظومة من القيم والعادات والممارسات الإيجابية من قبل أعضاء المجتمع المدرسي، ولا تقتصر البيئة التعليمية على التحصيل الدراسي فقط، بل تشمل أيضا الجوانب النفسية والاجتماعية والصحية والآمن النفسي والبدني.

والبيئة الثرية والمحفزة هي تلك البيئة التي: تُشعِر الطلاب بالأمان جسديا وعاطفيا؛ تقدم دعما عاطفيا إيجابيا؛ تحفز جميع الحواس؛ تتضمن جوا خاليا من الضغط والإجهاد غير المبرر؛ لا تكون التحديات التي تقدمها سهلة للغاية أو صعبة للغاية؛ تسمح بالتفاعل الاجتماعي لنسبة كبيرة من الأنشطة؛ يعزز تطوير مجموعة واسعة من المهارات والاهتمامات العقلية والجسدية والجمالية والاجتماعية والعاطفية؛ تشجع على الاستكشاف والتعلم الممتع؛ تسمح للطلاب بأن يكونوا مشاركين نشطين وليس متلقين سلبيين؛ وتتميز العلاقات والتفاعلات فيها بالانفتاح والثقة والاحترام والتقدير.

الاحتفاظ بالتواصل مع المجتمع: تعتبر أشكال التواصل المصممة بشكل جيد غاية في الأهمية عند إنشاء ثقافة مدرسية إيجابية. يشمل هذا كل شيء، بداية من موقع المدرسة الإلكتروني، ورسائل البريد الإلكتروني ، والمكالمات الهاتفية، والنشرات الإخبارية، ووسائل الإعلام، وغيرها. يجب أن تظل المدرسة على تواصل دائم مع المستفيدين ومتحكمة في الرسالة. إن إبقاء الوالدين وأصحاب المصلحة والمجتمع على اطلاع على كل الأمور الإيجابية التي تحدث في المدرسة يبني صورة ذهنية عن طبيعة العلاقات السائدة بالمدرسة، حتى إن حدث أي شيء سلبي لا يتم تعميمه أو يؤثر على سمعة المدرسة. عندما لا تتواصل المدرسة والمعلمون مع المجتمع وأولياء الأمور، فإن جمهور المستفيدين يقومون بملأ الفراغات، والتي غالبا ما تكون بتصورات غير إيجابية أو غير دقيقة.

التنمية المهنية للمعلمين: تضع المدارس عالية التأثير التنمية المهني للمعلمين في مكانة متقدمة ضمن أولوياتها، وهي بذلك ترسل رسالة مفادها أنها تهتم بالتحسين المستمر لموظفيها، وإنها تعتقد أن التعلم والسعي المستمر لتحسين الذات عملية مستمرة مدى الحياة، وأمر ضروري للنجاح. إنه نموذج يمكن للطلاب أن يشاهدوه ويحاكوه في حياتهم.

وإلى جانب الدورات التدريبية، تشجع المدارس عالية التأثير إنشاء جمعيات تعليمية داخلية، وأنشطة توجيه الأقران. كما تحدد أوقاتا خلال أيام العمل يجتمع فيه المعلمون مع بعضهم البعض بشكل منتظم، ويتشاركون ما يقومون به في الفصل، ويقيمون ممارساتهم التعليمية. تظهر نتائج البحوث أن المعلمون الذين يعملون معًا ويقيمون تأثيرهم يظهرون ارتباطًا كبيرًا جدًا بين تعليمهم وإنجاز طلابهم.

تعزيز حرية المعلم في البيئة التعلمية: لم تعد وظيفة المعلم ذلك الخبير الذي يملي على الطلاب ما يجب أن يفعلوه ، بل صار عمله ميسراً للتعليم داخل الفصل، وتهيئة البيئة المناسبة لحدوث التعلم، وإيجاد تفاعل صفي يساعد على توسيع مدى هذا التعلم. وصار التدريس عملية تأملية نقدية، يفكر فيها المعلم في ضوء قناعاته التربوية وأساليب وطرائق تدريسه في ضوء خبراته ليحدد ما يجب أن يعمله.

وفي ضوء ذلك يجب أن تعزز المدرسة حرية المعلم وتمنحه صلاحيات اتخاذ القرار فيما يتعلق بعمله التدريسي داخل الغرفة الصفية، وفيما يتعلق بأنشطة نموه المهني. فالمعلم الذي يملك روح المبادرة والنزعة إلى التجريب والتجديد، يثق بنفسه أكثر، ويمتلك من المهارات والقدرات والمعلومات ما يجعل منه باحثاً تربوياً يسهم في حل المشكلات التربوية عن دراية ووعي.

تشارك القيادة: يجب أن يكون هناك العديد من الفرص للمعلمين لتولي أدوار قيادية داخل المدرسة، مثل العمل كرئيس قسم أو منسق التطوير المهني أو خبير في التعليم أو المناهج. يأخذ الطلاب أيضًا أدوارًا قيادية مثل كونهم سفراء للمدرسة أو أعضاء في مجلس الطلاب، أو مرشدين للطلاب. تؤكد المدارس الناجحة على أن يتم منح اعتراف خاص لكل من أعضاء هيئة التدريس والطلاب لإنجازاتهم. ويتم الاحتفاء بالإنجازات العامة ويجب أن ينتزع التشجيع للجميع من كل أصحاب المصلحة.

الاهتمام والتعاطف: يجب أن يؤسس التعامل مع الطلاب في المدرسة على الاحترام والتعاطف، وأن يتعلموا في مقدمة ما يتعلمونه الذكاء الاجتماعي والعاطفي والعلاقات الصحية. والمدارس الناجحة هي المدارس التي تحترم التنوع العرقي واللغوي والثقافي، وتتبنى نهج التضمين الذي يشمل الجميع.

وتظهر الدراسات التحليلية البعدية المتعلقة بالإنجاز أن أحد أعظم مؤشرات المدارس عالية التأثير هو “تعزيز العلاقات الإيجابية” بين المعلمين والطلاب. إن وجود المعلمين الذين يظهرون الاهتمام، ويمتلكون التعاطف، والذين يقضون وقتًا في الاستماع، ويظهرون احترامًا إيجابيًا لطلابهم، يكون لهم أكبر الأثر على تحصيل الطلاب.

إن الطلاب في الغالب لا يتعلمون من أشخاص لا يحبونهم، وإذا ما سألت أي شخص بالغ عن أكثر المعلمين المفضلين لديهم والذين ما زالوا يتذكرونهم، ففي الغالب سيذكرون أولئك الذين يشعرونهم بأهميتهم ويظهرون اهتماما خاصا بشخصيتهم ونجاحهم.

التعاون: يتم تحديد التوقعات السلوكية بوضوح ودعمها من قبل الإدارة والموظفين. يجب أن يقدم الدعم والخدمات للطلاب. وينبغي أن يكون هناك تحول في التركيز من إدارة الفصل إلى تعاون بين المدرس والطالب لتحسين ديناميكيات الفصل والمساعدة على تطوير المهارات الاجتماعية.

حب التعلم: المؤسسات التي لديها هدف رئيسي لغرس حب التعلم يُعِدُّون الطلاب بشكل أفضل للمستقبل. وهم يقومون بذلك من خلال نمذجة المعلم، بالإضافة إلى تحفيز طلابهم من خلال التعاون، والتواصل، والتفكير الإبداعي، والتفكير النقدي. وحينما يؤسس مهام التعلم على مشروعات ذات أهمية حياتية وذات مغزى بالنسبة للطلاب، فإنهم يبنون فهما أوضح للدروس. والمدارس الناجحة هي التي ترتكز حول الطالب، وتضع توقعات عالية لطلابها وموظفيها.

مساعدة الطلاب على تطوير “عقلية نمائية”: هل يمكن أن يتغير الأفراد؟ هل قدرات الأفراد هي في الأساس ثابتة Fixed عبر الزمن أم أن أنها قابلة للتعديل Malleable ؟ هناك جدل كبير بين الباحثين المهتمين بدراسة الذكاء حول تعريف الطبيعة الدقيقة لمفهوم القدرة، هذا الجدل يدور حول ما إذا كانت القدرات فطرية أم مكتسبة. فهناك من يعتقد أنها متغير تحدده الجينات الوراثية، وفي المقابل هناك من يرى أن القدرة مفهوم متطور قابل للتعديل من خلال التعلم والجهد. ويبدو أن مفهوم القدرة يكتنفه الغموض ويصعب تحديده بشكل دقيق. فمن المقبول افتراض أن الجينات الوراثية تحدد قدرة الأفراد، إلا أنه من المقبول أيضاً أن العديد من القدرات هي نتاج للتعلم والخبرة، وفي كل الأحول فإنه من الصعب الفصل بين المكونات الوراثية للقدرة وتلك الناشئة عن أثر الخبرة والتعلم.

وتقترح دويك أن الأفراد يطورون نظريتين متباينتين في هذا السياق،  النظرية النمائية  Incremental Theory ، والنظرية الفطرية Entity Theory ، حيث يعتقد أصحاب النظريات النمائية أن خصائص الأفراد قابلة التطور عبر الزمن. على العكس يعتقد أصحاب النظرية الفطرية أن هذه الخصائص هي بالأساس سمات موروثة ومتأصلة في الشخصية منذ الصغر. وترى دويك إنه من الأفضل أن نشجع الذهنية النمائية والتي من خلالها يعتقد الأطفال أن العقول والمواهب مجرد نقطة انطلاق، وأنه يمكن تطوير قدراتهم من خلال العمل الشاق والمجازفة العقلية المستمرة. وتؤكد الدراسات التي أجرتها دويك ورفاقها أن الطلاب الذين يطورون ذهنية نمائية يظهرون دافعية أكبر في المدارس، ويحصلون على علامات أفضل على الاختبارات.

 

المقال الأساسي في هذا الرابط

https://meteoreducation.com/the-top-10-list-for-creating-a-positive-school-culture/

 

 

 

 

عن admin

شاهد أيضاً

كيف يمكن للمدارس مساعدة الأطفال على التعافي من إغلاق المدارس

رسالة من الباحثين التربويين 22 يوليو 2020 ترجمة د. أسامة إبراهيم مقدمة أحدثت جائحة كورونا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *