الرئيسية / مقالات / التجربة الدنماركية في تطوير مختبرات الابتكار (الجزء الثاني)

التجربة الدنماركية في تطوير مختبرات الابتكار (الجزء الثاني)

أ. د. / أسامة محمد إبراهيم

أستاذ علم النفس التربوي بجامعة سوهاج – مصر

مختبر الابتكار (أو مختبر العقول) هو عبارة عن مساحة مشتركة للابتكار بين الوزارات يضم عاملين من القطاعين العام والخاص ومواطنين للمساهمة في تطوير حلول مجتمعية للتحديات التي تواجه المواطنين والقطاع العام. وقد أنشئت مختبرات الابتكار لتحطيم الحواجز المصطنعة بين الوزارات وتعزيز التعاون بينها، ولتكون بمثابة منابر يمكن من خلالها لأصحاب المصلحة المشاركة في الحوار والأنشطة الإنمائية، وكمحفزات ابتكارية للمساعدة على دفع عملية تجميد التغيير التنظيمي، ودعم استيعاب الأفكار والنهج الجديدة في مؤسسات القطاع العام.

قصة مختبرات الابتكار ربما مثيرة للاهتمام في حد ذاتها؛ وتعكس قصة تطورها مجموعة من الدروس المستفادة في تعزيز الابتكار في القطاع العام، كما توضح إمكانية إتباع نهج أكثر استراتيجية ومنهجية وقوة للابتكار التعاوني.تأسست أولى مختبرات الابتكار في القطاع العام في العالم في وزارة الأعمال في مدينة كوبنهاغن في الدنمارك عام 2001م وافتتح في فبراير 2002 من قبل وزارة الشؤون التجارية باعتباره حاضنة داخلية للإبداع والابتكار. كانت رؤية المختبر للابتكار في ذلك الوقت فريدة من نوعها. استلهمت فكرة هذا المختبر من مركز تابع لشركة التأمين السويدية العملاقة (Skandia)، وكان ذلك رد فعل لاستفزازات من بعض أكاديميي “أكاديمية إدارة الأعمال” الذين سألوا الوزير “أين يعيش الابتكار في وزارتك؟” وباعتبار الوزارة مسؤولة عن تعزيز الابتكار في القطاع الخاص، كان السؤال محرجا، وكان من الصعب عدم قبول التحدي، فشرعت في تأسيس آلية لدمج الابتكار كممارسة تنظيمية أساسية في الوزارة. بعد فترة قصيرة من إنشاء المختبر، كانت هناك انتخابات عامة تلتها تغييرات في الحكومة. وأدى ذلك إلى توطيد الوزارة لتغطية الشؤون الاقتصادية وشؤون الأعمال؛ وعين أمين دائم جديد لقيادة المنظمة الأكبر حجما؛ وتحت إدارته ازدهرت أعمال المختبر.وقد ألهم نهجها المبتكر العديد من تجارب مماثلة ومنهجيات التصميم المستخدم الآن في العديد من بلدان العالم.وفي عام 2006م تقرر إنشاء معمل مشترك بين وزارتي الاقتصاد والعمل ووزارة التخطيط والضرائب الدنماركية بغرض تشجيع الابتكار في القطاعات الحكومية، وفهم الاحتياجات العامة للمواطنين والشركات، ومن ثم استخدام تلك المعرفة لتطوير حلول جديدة في شراكة مع المواطنين والمؤسسات أو الشركات الخاصة. وقد ارتأت الوزارتين التوجه الجديد لإنشاء “مركز التميز في الابتكار” لدعم عمل الوزارتين في تطوير مبادرات مع التركيز بشكل خاص على إشراك شركات ومواطنين وقيادات عالية المهارة في مجالات عدة مثل السياسات والتشريعات الحكومية، والابتكار والتقييم فضلا عن منهجيات التحليل واتخاذ القرار. كشفت محادثات جوهرية حول مشاريع مستقبلية ضرورة إشراك وزارة التوظيف لما لها من اتصال مباشر مع المواطنين أكثر من وزارة الاقتصاد والتخطيط، لذا انضمت وزارة التوظيف لمختبر الابتكار، وبذلك أصبح المختبر يغطي 80% من الأعمال في الدنمارك، ليصبح بذلك منصة مشتركة لمعالجة التحديات التي يشهدها المجتمع، وقد ساهم ذلك التعاون في التنسيق ورفع مستوى الابتكار بين الوزارات عند وضع التشريعات والسياسات والتخفيف من الأعباء الادارية المصاحبة لتطبيق هذه السياسات.ولأهمية وجود عناصر بشرية ذات كفاءة عالية فقد قررت كل وزارة ترشيح اثنين من الموظفين الأساسيين بالإضافة الى ترشيح احد طلبة الدكتوراه للانتقال للعمل في المعمل، و إيجاد مدير من ذوي المهارات العالية، كما تقرر مخاطبة شركات القطاع الخاص لترشيح موظف للعمل في المختبر بالتعاون مع الأطراف المعنية.بحلول منتصف عام 2010، حققت مختبر الابتكار خبرة كبيرة في الابتكار الحكومي وتطوير السياسات المبنية على احتياجات المواطنين وتسهيل عملية اتخاذ القرار بشأن التشريعات، إلا أن فريق العمل أعاد تقييم الاستراتيجية في أوائل فبراير 2011، وأشاروا ضرورة وجود عدة تطورات في العمل بناء على أمرين رئيسيين: الأول- زيادة الشراكات مع الجهات لزيادة تأثير الابتكار من خلال العمل على مشاريع ومساعدة الإدارة العليا والموظفين لتحقيق جدول أعمال استراتيجي من أجل التغيير، إما عبر العديد من المنظمات أو مع كيان واحد. الأمر الثاني – استخدام القدرات البحثية لتحديد وتطوير نتائج جديدة عن الاتجاهات الجديدة الهامة في وضع سياسات فاعلة في تسهيل صناعة القرار في وزارتي العمل والعمال لتكون قادرة على عرض جهودها ، وفهم وجهة نظر المواطن لخلق افكار جديدة.بدأ العمل في مختبر الابتكار برئاسة ثلاث أمناء من كل وزارة، ولكن وفقا للوائح الدنماركية فقد تم الاتفاق على تعيين الأمين الدائم لوزارة الاقتصاد والأعمال لرئاسة مجلس الأمناء على أن يكون دوره: تقديم المشورة بشأن الإطار العام والتوجه الاستراتيجي للمختبر، والمساهمة في ضمان تنفيذ المشاريع المناسبة، واقتراح خطة المشاريع سنويا، بمشاركة ممثلي الوزارات والقطاع الخاص والمواطنين.

وفيما يتعلق بإجراءات العمل في المختبر، ومع تزايد الخبرة، تم تطوير الإجراءات مع التركيز على استخدام عنصر الابتكار في إيجاد الحلول عن طريق سبعة مراحل رئيسية هي: فهم وتحديد النطاق، تحديد مشاكل المعنيين بالخدمة، تحليل المشكلة، بناء الفكرة، اختبار الفكرة، تقرير النتائج، وأخيرا قياس الأثر. ورغم أن مرحلة التنفيذ كانت خارجة عن نطاق عمل المختبر، إلا أن موظفي المختبر ساهموا مع فرق التنفيذ في تطبيق الحلول، ولكن شكل ذلك أحد التحديات.

التصميم الداخلي للمختبر، كان تصميما راديكاليا في ذلك الوقت. شمل أثاث مكتبي متحرك للغاية، ووسائد برتقالية، ومساحة بيضاوية 10 متر مربع – مساحة للتفكير – وكانت الحوائط مغطاه بالكامل بسبورات للكتابة.كان إنشاء المختبر إشارة قوية على أولوية الابتكار لكنه كان مزعجا بالنسبة لصانع السياسات. فقد كان أشبه بإلقاء “قنبلة في البيروقراطية”. أهم الدروس المستفادة: ·      عند التفكير في كيفية تطوير مختبر العقول أو الابتكار، فنحن بحاجة إلى مهارات لا توجد عادة في القطاع العام، كما أننا بحاجة أيضا إلى أناس يفهمون كيف يعمل القطاع العام، فمختبر الابتكار هو مزيج من المهارات متعددة التخصصات والوظائف: الإدارة العامة، والبحوث الاجتماعية، والتصميم، ومن أفراد يريدون “إحداث ثورة في مؤسسات القطاع العام. ·      كانت مختبرات الابتكار ناجحة في قدرتها على إعادة اختراع نفسها، للتركيز على خلق المزيد من القيمة للمنظمات الموجودة بها. ومن أجل دفع الابتكار، من الأهمية بمكان أن تكون على استعداد لتجربة النهج القائم على الابتكار بسرعة وتعديله وتجديده وتكييفه استجابة للظروف المتغيرة.·      الإصرار على مشاركة الإدارة العليا النشطة. يتطلب ذلك إدارة علنية مع الصبر والثقة المتبادلة والطموح لتحقيق نهج أكثر فعالية وذي فائدة في المهام الأساسية، سواء كانت تلك المهام هي عمليات خدمة جديدة أو وضع سياسات جديدة.·      خلق التعاطف المهني. يركز عمل المختبرات على مساعدة الموظفين على فهم أصحاب المصلحة الذين يخدمونهم بشكل أفضل، وتمكينهم واستخدام المعرفة لديهم في التفاعل من منظور خارجي.  

عن admin

شاهد أيضاً

التعليم عن بعد في ظل جائحة كورونا : رسائل إلى المدارس والمربين

د. أسامة إبراهيم  أستاذ علم النفس التربوي – جامعة سوهاج – ينبغي ألا نركز على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *