الرئيسية / مقالات / التجربة الدنماركية في تطوير مختبرات الابتكار (الجزء الأول)

التجربة الدنماركية في تطوير مختبرات الابتكار (الجزء الأول)

أ. د. / أسامة محمد إبراهيم
أستاذ علم النفس التربوي بجامعة سوهاج – مصر


هل لدى مؤسستك مساحة أو مجموعة مخصصة لتسهيل حل المشكلات وتصميم السياسة أو الخدمات؟ مختبر العقول/الابتكار MindLab هو أحد الممارسات المبتكرة لفعل ذلك.
قصة مختبرات الابتكار هي بالأساس قصة سعي طموح للمساعدة في تغيير الذهنية التي تدير القطاع العام قبل أن تكون مبادرة لتغيير الممارسات.
هذه المقالة هي محاولة لاستكشاف إمكانات الابتكار التعاوني القائم على التفاعل والتعلم المتبادل بين أصحاب المصلحة المعنيين، مدفوعا بمنصات مخصصة في شكل مختبرات للابتكار، مع عرض للتجربة الدنماركية في تطوير هذه الممارسات التي تعرف باسم مختبرات العقول أو مختبرات الابتكار.
مفهوم مختبر الابتكار: مختبر الابتكار هو مساحة عمل مادية، ومنطقة محايدة للإلهام والإبداع والتعاون. يعمل المختبر عبر عدة قطاعات حكومية، وتشكل أول مختبر (في الدنمارك) من مجموعة من موظفي الخدمة المدنية في ثلاث وزارات رئيسية هي: وزارة الأعمال والتنمية، وزارة الضرائب، ووزارة العمل. تغطي هذه الوزارات الثلاث مجالات السياسة العامة التي تؤثر على الحياة اليومية لجميع الدانماركيين تقريبا.
يتركز العمل في مختبرات الابتكار على تقليل مدة اتخاذ القرار من خلال تطوير السياسات التي تتطلب التنسيق بين عدة جهات حكومية، ووفقا لبيانات مختبرات الابتكار في السنوات التي تلت انشاءها، أجرى فريق العمل العديد من ورش العمل في الوزارة والوكالات التابعة لها، وكانت هذه الورش تسعى الى تطوير حلول مبتكرة للتحديات الواردة في صنع السياسات بعيدا عن الطرق التقليدية مثل كتابة الأوراق والتوصيات وإجراء الاجتماعات العادية، وشكلت هذه المختبرات حافزا لتطوير السياسات ولتغيير طرق الوزارات في العمل وثقافتها حيال حل المشكلات.
كانت فكرة مختبر الابتكار فكرة طموحة ومبتكرة أسهمت في تغيير عقلية العاملين في القطاع العام، وأسهمت في دفع عجلة الابتكار في القطاع العام، والتركيز على حلول ابتكارية للتحديات التنموية. وشكل الدعم الحكومي من خلال المسؤولين جزءاً رئيسيا في رفع الأداء وسهولة صناعة القرار. وقد ركز عمل المختبر على رفع مستوى وعي الموظفين الحكوميين لفهم احتياجات المواطنين وتدريبهم على النظر في الأمور من جانب مختلف. كما ركز المختبر على دوره كمنصة محايدة لتمكين العاملين في القطاع العام والخاص والمواطنين من إيجاد الحلول والسياسات المناسبة للتحديات التنموية. ومثلت مشاركة القدرات والطاقات البشرية من مختلف القطاعات جزءاً رئيسيا من نجاح معامل الابتكار. وقد لا يكون مفاجئا أن هذه المختبرات اهتمت بشكل كبير بتطوير مواقع العمل، وخلق هوية وصورة إيجابية في أذهان المواطنين والموظفين.
تستند منهجية مختبرات الابتكار على استخدام أساليب الأثنوجرافيا (العمل الميداني التطبيقي) والتصميم، مثل النماذج الأولية السريعة والاختبار، للمشاركة في خلق حلول لمشكلات القطاع العام مع المواطنين والشركات والوكالات الحكومية. وقد أتاح دمج التصميم الجديد وسيلة مبتكرة أمكن من خلالها لأصحاب المصلحة في القطاع العام أن يعيدوا تصور المشكلات والفرص.
وقد مكن التفكير التصميمي لـ”مختبر الابتكار” والعديد من الأفكار المشابهة في جميع أنحاء العالم، من فهم توجيه وقيادة السلوك، لتجربة وخلق لغة مشتركة بين المواطنين وموظفي الخدمة المدنية. يقوم موظفو مختبر الابتكار بإجراء مقابلات شبه منظمة في الميدان استنادا إلى فرضية تنبثق من البحث الأولي واستكشاف القضايا. ويمكن لأعضاء الفريق إجراء دراسات رصدية لمعرفة ما يفعله الناس بالفعل في بيئاتهم الطبيعية، وليس فقط ما يقولونه أنهم يقومون به. يشارك المختبر في جلسات إبداع مشتركة مع المواطنين والخبراء وأصحاب المصلحة ذوي الصلة من أجل التوصل إلى المزيد من الأفكار والنماذج. وتتضمن النماذج الأولية السريعة إنشاء أشياء ملموسة ومادية لفهم ما لا يمكن تفسيره بسهولة أو فهمه على الفور. بعدها يتم اختبار النموذج الأولى، حتى يتمكن الأفراد من إضافة وضبط الحل.
لماذا مختبرات الابتكار؟ نشأت مختبرات الابتكار كمحاولة لخلق استجابة تنظيمية لمجموعة من الحواجز التي اصطنعتها الممارسات البيروقراطية أمام الابتكار. وتستند مختبرات الابتكار إلى فكرة أن الكفاءات والعقليات اللازمة للابتكار المنهجي ليست هي نفسها تلك المطلوبة لتنفيذ المهام والخدمات التنفيذية اليومية، ولا هي حتى تلك الكفاءات المطلوبة لتصميم المشاريع الخطية التقليدية. تسعى مختبرات الابتكار إلى توفير النهج والمهارات والنماذج والأدوات التي يتجاوزها عادة معظم الموظفين المدربين. استدعى ذلك خلق مساحات “آمنة” مخصصة للتعاون على الابتكار عبر الوحدات والإدارات والقطاعات.
إن الابتكار يحتاج إلى بيئة حيث تكون العملية الإبداعية في المركز. مكان تكون فيه عملية الابتكار نظام مهني وليس حدثا نادرا، وحيث يمكن للعاملين أن يجتمعوا، ويتفاعلوا، ويجربوا ويبنوا نموذج وحلول جديدة. لكن للأسف كثيرا ما يتصادم ذلك مع البيئة والغرائز الأساسية للمنظمات العامة.
وقد أقر عدد متزايد من المنظمات العامة بالحاجة إلى إضفاء الطابع المؤسسي على الابتكار. المملكة المتحدة لديها حاليا مختبرات مثل مختبر مقاطعة كينت للابتكار الاجتماعي، وقسم الابتكار والمهارات وإدارة الأعمال، والوقف الوطني للعلوم والتكنولوجيا والفنون. ولدى وزارة الأشغال العامة وإدارة المياه في هولندا مركز المستقبل تابع لوزارة المالية. ويبدو أن مختبرات الابتكار على الطريق لتصبح جزءا من البنية التحتية الاجتماعية للمنظمات العامة الحديثة.
عوائق الابتكار في القطاع العام: تظهر الأبحاث أن غالبية المنظمات العامة تركز على العمليات الإدارية الداخلية، ونادرا ما يتم توجيه العمل بها إلى الابتكار. ويتميز القطاع العام بوجود العديد من الحواجز التي تحول دون الابتكار، إضافة إلى نقص الوعي أو المعرفة بعملية الابتكار، فلدينا موروثات يمكن أن تحطم أي جهد ابتكاري. وتتمثل أهم العوائق الرئيسية أمام ابتكار القطاع العام في: انعدام الخبرة والكفاءة في إدارة عملية الابتكار؛ ورغبة القيادات في السيطرة والحفاظ على السلطة، بدلا من تقاسمها؛ كما أن هناك اتجاه متأصل لمقاومة بذور الابتكار، فمنظمات القطاع العام لا تكاد تمارس أي وسائل للابتكار. وعلى الرغم من الدعاية الكبيرة للابتكار وريادة الأعمال، فغالبية القطاعات العامة هرمية جدا وبيروقراطية. إضافة إلى ذلك، فإن احتمالات التعاون، وربما الرغبة في التعاون، ليست موجودة بين أقسامها، حتى إن البعض قد يقول ساخرا إن مؤسسات القطاع العام قد بنيت لمحاربة الابتكار وليس لتعزيزه. وفي القطاعات الحكومية غالبا ما يكون هناك عدم استعداد لاستكشاف الأفكار والحلول الجديدة. إن حاجز الابتكار الرئيسي في معظم المنظمات هو أن المنظمات لا تسمح للمشاريع المبتكرة لأن تذهب بعيدا، فمعظم المنظمات العامة بشكل حدسي لا تسعى إلى أن تكون في طليعة أجندة التغيير. وعادة ما ترغب في أخذ المخاطر بالتغيير، بل تسعى إلى تثبيط تجريب الأفكار الجديدة.
يبدو أن منظمات القطاع العام جيدة جدا في تحسين كيفية القيام بالأمور بشكل صحيح (خلق بيروقراطية سلسة)، ولكن ليس بالضرورة كيفية القيام بالشيء الصحيح (معالجة الاحتياجات الفعلية للمواطنين الذين تخدمهم). وفي أحسن الأحوال، تعمل منظمات القطاع العام بشكل خطي جدا. لكن الابتكار بحاجة أكبر إلى التركيز على عمليات التشكيل، والعمليات التعاونية المفتوحة، التصور، النماذج الأولية، الاختبار، والتجريب. وكثير من منظمات القطاع العام لم تقم ببناء القدرات بين القادة والموظفين، التي تمكنهم من القيام بهذه هذه العمليات.
في المقال القادم سوف نستكمل الحديث حول قصة إنشاء الدنمارك لأول مختبر للابتكار وأهم الدروس المستفادة منها.

عن admin

شاهد أيضاً

عشرة أخطاء في التفكير

د. أسامة محمد إبراهيم  أستاذ علم النفس التربوي – جامعة سوهاج هناك الكثير من أخطاء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *