الرئيسية / كتب / الوباء الاجتماعي … ونقطة التحول

الوباء الاجتماعي … ونقطة التحول

د. أسامة محمد إبراهيم

أستاذ علم النفس التربوي – جامعة سوهاج – مصر

جميعنا سمع تعبيرات من قبيل “القشة التي قسمت ظهر البعير” و “تأثير الفراشة” للإشارة إلى النقطة التي عندها تتغير الأمور بشكل دراماتيكي.

في علم الاجتماع يُعبِّر مفهوم “نقطة التحول” عن ظاهرة طارئة تتحول عندها الأمور بشكل مذهل ومتسارع لتصبح الأكثر شيوعًا. تمامًا كما يحدث عندما يؤدي إضافة ثقل ضئيل جدًا إلى جسم متوازن إلى انهياره كلية، ومثلما يمكن لشخص مريض أن يبدأ موجة من الوباء المرضي في مدينة كاملة. على نفس المنوال، يمكن أن تسبب دفعة صغيرة، ولكن موجهة بدقة، تجاه منتج جديد أو سلوك اجتماعي أو فكري، إلى انتشاره على نحو يشبه الوباء. وهكذا يشير مفهوم “نقطة التحول” إلى تلك اللحظة السحرية التي عندها تَعبُر فكرة أو توجه أو سلوك اجتماعي عتبة ما لتنتشر بعدها كالنار في الهشيم.

في أوائل الستينيات من القرن العشرين، درس عالم الاجتماع مورتون جرودزينز الأحياء الأمريكية المختلطة. واكتشف أن الأسر ذات البشرة البيضاء تبقى في الأحياء طالما أن أعدادها أكبر بشكل واضح من الأسر ذات البشرة السوداء. وعند وصول أعداد العائلات ذات البشرة السوداء إلى نقطة معينة، تبدأ الأسر ذات البشرة البيضاء في هجرة جماعية من تلك الأحياء. أطلق مورتون على هذه العملية اسم “نقطة التحول”. بعدها اتسع استخدام هذا التعبير ليشمل أي عملية يزيد فيها معدل حدوث ظاهرة ما بشكل كبير بعد تخطيها لعتبة معينة. وقد انتقل هذا المفهوم إلى العديد من المجالات، بدءًا من الاقتصاد ومرورًا بعلم الأوبئة، وعلم الفيزياء، وطبوغرافيا السكان. وقد تحول تعبير “نقطة التحول” إلى عبارة شائعة ونقلة نوعية في تفكير الأجيال اللاحقة عن طريق توماس كون من خلال كتابه “بنية الثورات العلمية”. وتاريخ العلوم مليء بالتحولات الفكرية الكبرى التي أحدثتها النظريات والاكتشافات الكبرى في نظرتنا للحياة والكون والوجود.

تعتبر ظاهرة “نقطة التحول” شيقة للغاية لأنها توضح لنا لماذا تنتشر بعض المنتجات والاتجاهات في جميع أنحاء العالم، في حين يفشل البعض الآخر في تحقيق ذلك. وكيف تدفعنا الإعلانات التجارية إلى إنفاق أموالنا التي نحصل عليها بشق الأنفس لشراء منتجات ربما لا نحتاجها. لا يحدث هذا فقط مع المنتجات فقط، ولكن يحدث أيضًا مع الأفكار والسلوكيات.

في عام 2002، سلط مالكوم جلادويل في كتاب بعنوان “نقطة التحول” الضوء على هذه الظاهرة ليغير بالفعل الطريقة التي يفكر بها الناس في جميع أنحاء العالم حول رواج المنتجات أو الأفكار أو الاتجاهات الاجتماعية. يرى جلادويل أن الأفكار والمنتجات والسلوكيات تميل إلى الانتشار بنفس طريقة انتشار بعض الأمراض المعدية، فنحن نتلوث ونصيب بعضنا البعض بأفكارنا وتفضيلاتنا وتزكيتنا للأشياء، حتى نصل إلى “نقطة تحول” أو عتبة معينة، بعدها تصبح هذه الأشياء كوباء اجتماعي معدٍ.

عند تحليل كيف تنتشر “الأوبئة الاجتماعية”، حدد جلادويل ثلاثة عوامل مسؤولة عن ذلك هي: “قانون القلة”، و”عامل الالتصاق”، و”قوة السياق”. كل منها له نفس التأثير القوي، وإذا تم تطبيقها بشكل صحيح، فإنه يمكن استخدامها بشكل فعال، لترويج المنتجات والأفكار – وربما الأكثر أهمية – تغيير السلوك.

يشير “قانون القلة” إلى أن هناك عددًا قليلًا من الأشخاص لديهم القدرة على التأثير ونشر الأفكار، وهنا يعرض جلادويل قانون باريتو (20/80) حيث يرى أن 20% من الأفراد قادرون على نشر الأخبار وإيصالها إلى 80%. ويذكر ثلاثة أنواع من هؤلاء القلة: الموصِّلون (الذين لديهم أكبر شبكة من العلاقات مع الأفراد، حتى وإن كانت علاقات أو ارتباطات ضعيفة)، والبائعون (الذين يستطيعون ترويج الأفكار ببراعة – الأفراد الأكثر تأثيرا وقدرة على التواصل)، والخبراء (الذين يمتلكون المعرفة ويتمتعون بثقة الناس).

ويشير عامل الالتصاق إلى استحواذ فكرة ما على انتباهنا وقدرتها على البقاء في ثقافتنا، بأن تجمع بين كونها فكرة لا تنسى، وبقائها دوما حاضرة في الذهن. تلك الفكرة التي طالما استخدمت لغرس المبادئ والقيم الأساسية في مرحلة ما قبل المدرسة. فالرسائل اللاصقة تظل تستحوذ على انتباهنا واهتمامنا، على الرغم من كثيرة الرسائل الجديدة الأخرى.

ويشير قانون قوة السياق إلى أن الأفراد يتأثرون بشكل أكبر بالظروف التي يتعرضون فيها للأشياء أكثر من تأثرهم بصفاتهم الشخصية المتأصلة. ويستشهد بوقائع كثيرة مثل سياسة “النوافذ المحطمة” التي قضت على الجريمة في نيويورك. وهو يرى أنه حتى في بعض التصرفات المتطرفة، مثل الانتحار، ربما تكون – بدرجة أكبر مما نعتقد – نتيجة للتواصل المعدي.

وأخيرا، ما الرسالة التي يمكن أن نخرج بها من هذا العرض؟

عندما ننظر إلى المجتمع من حولنا، قد يبدو لنا وكأنه واقع متحجر غير قابل للتغيير، لكن الأمر ليس كذلك تماما؛ فبدفعة صغيرة – في الوقت والمكان المناسبين – يمكن أن نصل إلى “نقطة تحول” تتغير بعدها الأمور رأس على عقب. فعلى الرغم من المسافات الكبيرة بيننا وبين “عوالم أخرى موازية”، إلا أننا يمكننا أن نجتاز هذه المسافات بدفعات صغيرة مدروسة.

عن admin

شاهد أيضاً

حكمة الحشود

– د. أسامة محمد إبراهيم أستاذ علم النفس التربوي – جامعة سوهاج   “لا تتبع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *