الرئيسية / أبحاث / لماذا يفشل البعض في إدراك حدود جهلهم؟

لماذا يفشل البعض في إدراك حدود جهلهم؟

لماذا يفشل البعض في إدراك حدود جهلهم؟

أ.د. أسامة محمد عبدالمجيد إبراهيم

أستاذ علم النفس التربوي – جامعة سوهاج

بالتأكيد، جمعتك الأقدار بأشخاص يندمجون في نقاش – بثقة كبيرة جدا – حول موضوع لا يعرفون أي شيء عنه تقريبًا؟! أو موظف لا يكاد يتقن المهارات الأساسية لعمله ومع ذلك لديه يقين أنه الأفضل في مكان عمله؛ أو أستاذ يحصل على تقدير متدني للغاية في قدراته التدريسية لكنه يجزم أنه واحد من أفضل الأساتذة في تخصصه! وتعج مواقع التواصل الاجتماعي بمثل هذه النماذج التي يملؤها اليقين بفهمها العميق للأمور. وقد تتسأل، من أين جاءتهم كل هذه الثقة؟! ولماذا يفشل البعض في إدراك أو تقييم عدم كفاءتهم؟!

حينما يجهل المرء موضوعا ما، فمن المتوقع أن يتجنب الحديث فيه، وقد “يسأل عنه جوجل” ليقلل من حدود جهله، لكن المشكلة لا تكمن في الجهل فحسب، بل في عدم إدراك بعض الأفراد ذوي الكفاءة المنخفضة لحدود معرفتهم، واعتقاده أنه يعرفون أكثر مما يعرفونه بالفعل. درس علماء النفس هذا الموضوع، واقترحوا تفسيرًا عُرف بتأثير دانينغ-كروجر.

صِيغَ مفهوم “تأثير دانينغ-كروجر” في عام 1999 بواسطة عالمي النفس كورنيل دانينغ وجاستن كروجر. “تأثير دانينغ-كروجر” هو تحيز إدراكي يشير إلى نزعة الأشخاص ضعيفي المعرفة أو غير الأكفاء في موضوع معين إلى الثقة العالية أو المبالغة في تقدير معرفتهم وقدراتهم، حيث يعتقد هؤلاء الأشخاص بتفوق وهمي ويقيّمون قدرتهم المعرفية بطريقة أكبر مما هي عليه بالفعل؛ فهم لا يفشلون في إدراك عدم كفاءتهم فحسب، بل من المرجح أيضًا أن يشعروا بالثقة بأنهم يتمتعون بالكفاءة في ذلك المجال. ويأتي هذا الوهم الخادع بالتفوق من عدم قدرة هؤلاء الأشخاص على إدراك حدود معرفتهم أو مستوى كفاءتهم؛ فبدون هذا الوعي الذاتي لما وراء المعرفة، لا يستطيع هؤلاء الأفراد تقييم مدى أهليتهم الفعلية.

في مجموعة من الدراسات التي اختبرت هذا التأثير، طلب جوستين كروجر ودافيد دانينغ من المشاركين اكمال اختبارات حول مهارات في مجال معين (مثل الفكاهة، أو التفكير المنطقي). بعد ذلك، طُلب من المشاركين تخمين مدى نجاحهم في الاختبار، ووجد الباحثان أن المشاركين الذين جاءت درجاتهم ضمن أقل 25٪ كانوا يعتقدون أن درجاتهم ستضعهم ضمن أعلى نسبة من المشاركين.

في مقابلة مع مجلة فوربس، يشرح ديفيد دانينغ هذه الظاهرة فيقول إن “المعرفة والذكاء الضروريين لكي يكون المرء جيدًا في مهمة ما، غالباً ما تكون هي نفس الصفات الضرورية لكي يدرك المرء أنه ليس جيدًا في هذه المهمة”. بعبارة أخرى، إذا كان الفرد يعرف القليل جدا عن موضوع معين، فإنه في الواقع قد لا يعرف أنه جاهل وأن معرفته عن الموضوع محدودة للغاية.

الأكثر أهمية هنا، قد يكون شخص ما على درجة عالية من المهارة في مجال ما، ولكن مع ذلك يكون عرضة لتأثير دانينغ-كروجر في مجال آخر. هذا يعني أننا جميعا يمكن أن نكون عرضة لتأثير دانينغ-كروجر! يقول دانينغ “قد تعتقد أن هذا لا ينطبق عليك. لكن مشكلة الجهل غير المعترف بها هي مشكلة تزورنا جميعًا”. أي أن تأثير دانينغ-كروجر هو شيء يمكن أن يحدث لأي شخص.

لكن ماذا عن الأشخاص الأكفاء بالفعل؟ إذا كان الأشخاص الذين يعرفون القليل عن موضوع ما يعتقدون أنهم خبراء، ماذا عن رأي الخبراء في أنفسهم؟ عندما أجرى دانينغ وكروجر دراستهما، تناولا أيضًا الأشخاص ذوي الكفاءة العالية في أداء المهام (أولئك الذين سجلوا أعلى 25٪ من المشاركين). ووجدوا أن هؤلاء المشاركين يميلون إلى تقدير أكثر دقة لأدائهم مقارنة بالمشاركين في أقل 25٪، لكنهم في الواقع لديهم ميل إلى التقليل من شأنهم فيما يتعلق بالمشاركين الآخرين – فعلى الرغم من أنهم عادة ما يظنون أن أدائهم كان أعلى من المتوسط، إلا أنهم يعتقدون أيضا أن المهام كانت سهلة بالنسبة للآخرين وأنهم قد أدوا بنفس الكفاءة! ما يميز الخبراء أنهم يدركون حدود معرفتهم، ولكنهم غالباً ما يرتكبون خطأً مختلفًا: فهم يفترضون أن الآخرين على دراية أيضًا. أي أن خطأ “غير الأكفاء” داخلي (يتعلق بالذات)، فإن خطأ “الأكفاء” ينبع من الخارج (يتعلق بالآخرين)!

كثير ما يكون المبتدئون ممتلئون بثقة خادعة في تفوقهم وفهمهم، لكن عندما يتعمقون في المجال يبدأ الشك يتسلل إليهم بأنهم لا يعرفون الكثير في مجالهم فتنخفض ثقتهم، وبمرور الوقت وزيادة المعرفة والخبرة تزيد لديهم الثقة في معرفتهم، إلا أن ثقتهم تظل في مستوى أقل من مستوى الثقة لدى غير الأكفاء الممتلئين بالثقة فيما لديهم من معرفة يقينية وفهم وإدراك! فكلما زاد المرء معرفة وحكمة، زاد إدراكه لحدود معرفته أو بالأحرى بحدود جهله.

هل من سبيل للتغلب على تأثير دانينغ-كروجر؟ وماذا يمكن أن نفعل للتغلب على هذا التأثير؟

يقدم علماء النفس بعض النصائح في هذا الشأن:

أولا – استمر في التعلم: في أحد الدراسات الشهيرة، قام دانينغ وكروجر بإجراء بعض الاختبارات المنطقية ومن ثم إكمال تدريب قصير حول التفكير المنطقي. بعد التدريب، طُلب من المشاركين تقييم مدى نجاحهم في الاختبار السابق. وجد الباحثون أن التدريب أحدث فرقا، حيث تحسن تقييم المشاركين الذين كانت درجاتهم ضمن أدني 25٪ لمستوى ثقتهم في أدائهم على الاختبار. بعبارة أخرى، قد تكون إحدى الطرق للتغلب على تأثير دانينغ-كروجر هي معرفة المزيد عن موضوع ما.

ثانيا – راقب تحيزاتك المعرفية: عند معرفة المزيد عن موضوع ما، من المهم التأكد من أننا نتجنب الانحياز للتأكيد، وهو “الميل لقبول الأدلة التي تؤكد معتقداتنا ورفض الأدلة التي تتعارض معها”. كما يوضح دانينغ، إن تتغلب على تأثير دانينغ-كروجر يمكن أن يكون في بعض الأحيان عملية معقدة، خاصة إذا كان ذلك يجبرنا على إدراك أننا كنا في السابق مخطئين. وهنا تكمن البراعة في قدرة الفرد على أن يلعب دور محامي الشيطان، أن تفكر كيف يمكن أن تكون استنتاجاتك المفضلة تقوم على تفكير متحيز؛ أن تسأل نفسك كيف يمكن أن تكون على خطأ، كيف يمكن أن يكون إدراكك للموقف ناقصًا، أو أن أدلتك التي بنيت عليها موقفك غير دقيقة، أو معلوماتك ناقصة أو متحيزة.

عن admin

شاهد أيضاً

القدرة المكانية Spatial Ability

د. أسامة محمد إبراهيم أستاذ علم النفس التربوي – جامعة سوهاج أول من اكتشف القدرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *