الرئيسية / كتب / موت الخبرة

موت الخبرة

د. أسامة محمد عبد المجيد إبراهيم

أستاذ علم النفس التربوي – جامعة سوهاج – مصر

د اسامه ابراهيم

لماذا فقدت الخبرة اليوم الكثير من الاحترام الذي اكتسبته على مدى سنوات عديدة في مجالات عديدة حيث كان عدم اليقين والمعرفة المعقدة ذات قيمة كبيرة؟

يتعرض الناس الآن لمزيد من المعلومات أكثر من أي وقت مضى، سواء من خلال التكنولوجيا أو من خلال زيادة الوصول إلى كل مستويات التعليم. غير أن هذه المكتسبات ساعدت أيضا على زيادة موجة المساواة الفكرية النرجسية والمضللة التي شلت المناقشات المستنيرة بشأن أي قضية سواء سياسية أو اجتماعية أو حتى علمية. اليوم، الجميع يعرف كل شيء، فمن خلال رحلة سريعة فقط عبر الانترنت أو الويكيبيديا، يعتقد الإنسان العادي نفسه على قدم المساواة الفكرية مع الأطباء والدبلوماسيين. إن كل ادعاء، حتى الأكثر سخافة، يطالب بأن يؤخذ بجدية متساوية، وأي ادعاء عكس ذلك قد يعني أنك غير ديمقراطي.

هذا جزء من موجة واسعة من معاداة العقلانية تتسارع منذ سنوات، تتجلى في تصاعد الانفعال العاطفي على العقل في المناقشات العامة، وفي عدم وضوح الخطوط الفاصلة بين الحقيقة والرأي والأكاذيب، والإنكار في مواجهة النتائج العلمية في كثير من الموضوعات.

يوضح توم نيكولاس مؤلف كتاب “موت الخبرة” أن هذا الرفض للخبراء حدث لأسباب عديدة، منها انتشار الإنترنت، وظهور نموذج رضا العملاء في التعليم العالي، وتحول صناعة الأخبار إلى آلة ترفيه على مدار 24 ساعة. ومن المفارقات، أن نشر المعلومات بصورة ديمقراطية متزايدة، بدلا من أن تنتج جمهورا متعلما، خلقت جيشا من أنصاف المتعلمين أو المواطنين غير المستنيرين والغاضبين الذين يشجبون الإنجاز الفكري.

وعلى الرغم من أن الإنترنت قد سمح لعدد أكبر من الناس بالوصول إلى مزيد من المعلومات أكثر من أي وقت مضى، إلا أنه منحهم “وهم المعرفة” بينما هم في الواقع يغرقون في فوضى البيانات ينتقون ما يختارون قراءته. نظرًا لهذا المزيج المتنوع من الحقائق، والشائعات، والأكاذيب، والتحليل الجاد، والأخبار الزائفة المنتشرة عبر الإنترنت، أصبح من السهل على المرء أن يستسلم لـ “تحيز التأكيد” وهو الميل للبحث عن المعلومات التي تؤكد فقط ما نؤمن به، وقبول الحقائق التي تعزز فقط تفسيراتنا المفضلة، واستبعاد البيانات التي تتحدى ما نقبله على أنه حقيقة.

ومن ثم أضحى العديد من المواطنين من جميع الاتجاهات يعيشون بشكل متزايد في فقاعات وسائل الإعلام الخاصة بهم، واستهلاك وجهات نظر مماثلة لآرائهم فقط. وعندما يواجهون أدلة دامغة على أنهم مخطئون، فإنهم يقومون ببساطة بتدعيم تحيزاتهم الأصلية. يقول نيكولاس: “هذا ما يسمى بـ” تأثير النتائج العكسية”، حيث يضاعف الناس جهودهم للحفاظ على روايتهم الداخلية متسقة، بصرف النظر عن مدى وضوح الأدلة التي تؤكد أنهم مخطئون.” ونتيجة لذلك، يتم تضخيم وجهات النظر المتطرفة عبر الإنترنت، وتنتشر الأخبار الزائفة كالنار في الهشيم. وهكذا تتجمع كل هذه العوامل لتخلق موجات غير منطقية لا تقتل الاحترام للخبرة فحسب، بل تقوض النقاش العقلاني وتنتشر وباء التضليل.

يبدي المؤلف مخاوفًا عميقة من الرفض المتزايد للخبرة، ويشير إلى أنه عندما يعتقد المواطنون العاديون أنه لا يوجد أحد يعرف أو بفهم أكثر من أي شخص آخر، فإن المؤسسات الديمقراطية نفسها تصبح معرضة لخطر الوقوع في الشعبوية أو التكنوقراطية، أو في أسوأ الأحوال، مزيج من الاثنين معا. إن وفاة الخبرة ليست مجرد استكشاف لظاهرة خطيرة فحسب، بل أيضا تحذيرا بشأن استقرار وبقاء الديمقراطية الحديثة في عصر المعلومات.

 

 

 

 

عن admin

شاهد أيضاً

حكمة الحشود

– د. أسامة محمد إبراهيم أستاذ علم النفس التربوي – جامعة سوهاج   “لا تتبع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *