الرئيسية / مقالات / التعليم من أجل الابتكار والتعلم المستقل

التعليم من أجل الابتكار والتعلم المستقل

تقديم : د. أسامة محمد إبراهيم

جامعة سوهاج – جمهورية مصر العربية

في مجال التعليم، هناك حالة من التوتر بين ممارسات الماضي والتطورات التي شهدتها الحياة في التكنولوجيا الرقمية، وقد يتساءل البعض لماذا تأخر المجال التعليمي طويلًا في توظيف أدوات التقنيات الرقمية ومنافعها كما حدث في عالم المال والصناعة والطب منذ عقود مضت! … هل هي الروح المحافظة التي تسود مؤسسات التعليم العتيقة والتي تخشى الابتكار والتجديد، أم أنه غياب للرؤية وعدم قدرة على استلهام المستقبل من رجال التربية؟ بغض النظر عن الأسباب، فقد أضحى من المستحيل – ونحن نعيش في العصر الثورة الصناعية الرابعة – الاستمرار في تجاهل التقنية الرقمية في مجال التعليم.

في كتاب ” التعليم من أجل الابتكار والتعلم المستقل” من تأليف رونالدو موتا وديفيد سكوت، والذي نقل إلى العربية ضمن إصدارات موهبة العلمية التي تصدرها مؤسسة الملك عبدالعزيز ورجاله للموهبة والإبداع (موهبة) بالشراكة مع شركة العبيكان للنشر، يقدم المؤلفان ثلاث أفكار رئيسة وهي التعليم، والتكنولوجيا، والابتكار، حيث يتناول هذه الأفكار والعلاقات فيما بينها في الواقع، وذلك من خلال عرض تحليلي لعدد من التجارب لتعليم التقنية في بلدين مختلفين هما: إنجلترا والبرازيل. الغرض من هذه التناول هو تقديم إيضاح للوسائل المعينة، والقيود المفروضة، على إدخال تحسينات على السياسات والممارسات التعليمية، مع الإشارة بصفة خاصة إلى الابتكار.

يبدأ الكتاب بعرض للأهداف الأساسية للتعلم العالمي، وهي تشمل: “تربية مواطنين عالميين وعلاقتهم بالثقافة، واللغة، والمقدرة على العيش بين أناس من أمم أخرى، وبناء إحساس بالهوية والوعي الثقافي وتعزيزهما، وتنشئة إدراك لقيم إنسانية عالمية وتطويرها، وتحفيز الفضول والتساؤل لتطوير روح الاكتشاف والتمتع بالتعلم، وإكساب الطلبة مهارات تعلم المعرفة واكتسابها، فرديًّا أو جماعيًّا، وتوفير سياق عالمي للاستجابة للاحتياجات والاهتمامات المحلية”.

ويتناول المؤلفان مفهوم الابتكار وكيف أصبح اليوم شعارا للمجتمعات الحديثة، ومدخلا أساسيا للتطوير الاجتماعي والاقتصادي المستدام، وكيف أصبح مفهوم الابتكار أوسع من مجرد الابتكار التقني، حيث ظهرت موجة جديدة من الأساليب الابتكارية مثل الابتكار المفتوح، (ودمقرطة) الابتكار، والاقتصاديات الخلاقة، والابتكار التنظيمي والتسويقي، وكيف يرتبط العديد من هذه الأساليب بأنماط جديدة من إنتاج المعرفة، مثل أمكنة العمل، والمنازل، بدلًا من الجامعات ومختبرات البحث التقليدية.

كما يعرض المؤلفان لأهمية الابتكار في المجتمع المعاصر، والتقنيات الجديدة المتوافرة التي يمكن استخدامها في التعليم، والولوج إلى الثورة التعليمية الثالثة التي تنطوي على تغيرات جذرية. كما يحلل العلاقة بين الابتكار والتعليم، خاصة فيما يتعلق بتأثير التقنيات الجديدة، وكيفية دمج التقنيات الرقمية في غرفة الدرس.

ويناقش الكتاب عددًا كبيرًا من النماذج التعليمية النظرية التي توضح القيم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، التي تحد من تطور الابتكار. ويرى المؤلفان أنه يمكن معالجة هذه القضايا بشكل صحيح فقط إذا ما تم دراسة الواقع التجريبي، وإذا ما أخضعنا مجموعة واسعة من الأسباب للتحليل؛ فمن خلال الجمع بين ما هو نظري وما هو عملي، حاول المؤلفان توضيح كيف يمكن للأساليب الجديدة للتعلم أن توضع موضع التنفيذ بنجاح وبصورة مستدامة، لكي يتمكن المتعلم من تطوير المهارات الابتكارية، ووضعها موضع العمل في الحياة الواقعية.

يشرح المؤلفان في هذا الكتاب كيف أصبح الابتكار أمرا محوريا وأكثر ارتباطا بالتكنولوجيا الرقمية، وأنه يجب أن نربي أبناءنا للتعامل مع هذا الواقع. ويقدم الكتاب عرضا لبعض الطرق التربوية التي تتوافق مع هذا الاهتمام، مع الإشارة إلى الاقتصاد والتطور الاجتماعي الذي أصبح فيه الابتكار استراتيجية محورية لتلبية المتطلبات التربوية.

ويركز الكتاب بشكل كبير على تَغيُّر دور الجامعات – وحتى المدارس- فيما يتعلق بتطوير الابتكار والتطبيقات التربوية المستقلة من أجل وضع الابتكار موضع التنفيذ. ويعرض المؤلفان أيضاً لما أسموه بالثورة التربوية الثالثة مركزين على ثلاثة مواضيع هي المعلم، والكتاب، والتكنولوجيا الرقيمة، حيث يناقش الكتاب علاقة التربية بالابتكار وتأثير التكنولوجيا على المناهج الدراسية، ودور المعلم كمصمم للمناهج، والتدريس والابتكار، ويعرض تجربة MIT وهارفارد في تقديم مقررات مفتوحة للجميع عبر الانترنت MOOC.

وفي فصل مستقل، يعرض المؤلفان مفهوم التعلم المستقل كاستراتيجية للابتكار، ويقترحان نظرية للتعلم الرقمي تتناول التدريس الرقمي ومداخل التعلم الحديثة. وأخير يقدم المؤلفان في فصلين مستقلين دراستي حالة حول كلا من البرازيل وانجلترا وتطور المعرفة واستراتيجيات الابتكار في البلدين، مع عرض بعض التجارب والمشروعات التعليمية الرقيمة خاصة في الهندسة والتربية وريادة الأعمال. وفي النهاية يختتم المؤلفان بمجموعة من التوصيات والاستنتاجات حول التكنولوجيا الجديدة والتطبيقات التربوية الحديثة، وعمليات إعادة تشكيل التعليم.

إننا نعيش اليوم في عالم حيث أصبح من الأوضح أكثر من أي وقت مضى، أن الحلول والمقاربات المعيارية ليست مناسبة لتلبية الحاجات الاجتماعية والتربوية الجديدة. ويقدم هذا الكتاب مقاربات بديلة رائعة في هذا المجال. وهو كتاب في غاية الوضوح والتألق، وسيلهم محتواه أولئك المهتمين بالبحث عن حلول جديدة لمشكلات التعليم التقليدية.

عن admin

شاهد أيضاً

التعليم عن بعد في ظل جائحة كورونا : رسائل إلى المدارس والمربين

د. أسامة إبراهيم  أستاذ علم النفس التربوي – جامعة سوهاج – ينبغي ألا نركز على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *