الرئيسية / مقالات / كم يحتاج الإنسان من الأرض؟

كم يحتاج الإنسان من الأرض؟

رواية “باخوم” هي إحدى روائع الكاتب الروسي الشهير “ليو تولستوي”. تحكي الرواية قصة قروي فقير بائس اسمه باخوم، ذات ليلة تزوره اخته وتتحدث إلى زوجته عن تعاسة حياة القرية وجمال المدينة، فيقول باخوم: آه لو أن لي قطعة أرض صغيرة أقتات منها وبعدها لا يهمني الشيطان … يسمعه الشيطان الذي كان يجلس حينها في أحد زوايا البيت فيقول: قد قبلت التحدي ولنرى …

بعد بضعة أيام ، تعلن سيدة ثرية أرضها للبيع، فيتهافت عليها الفلاحون، ويبيع باخوم غالبية ما يملك، ويكتب على نفسه قيدا بأن يسدد باقي الثمن بعد عامين، اشترى باخوم أربعين فدانا كاملة ، فإذا بالأرض تؤتي أكلها ويسدد باخوم كل ما عليه في عام واحد .. ويقول أخيرا يمكنني أن أعيش الحياة الهانئة التي كنت أحلم بها .. إلا أنه ما تلبث مشكلات الثراء تظهر ، ويدخل في نزاع قضائي مع جيرانه ، فيلعن هذه الحياة …

وفي إحدى الليالي يمر عليه فلاح (الشيطان في صورة فلاح) فيحسن ضيافته، فيقول له هذا الفلاح إن أهل قرية كذا أناس كرماء وأن بها أراضي وفيرة وخصبة، وأن أهلها يمنحون كل من يريد أن يستصلح أرضا 25 فدانا مجانا .. فيقولو باخوم وما جلوسي هنا؟! فباع أملاكه وذهب إلى هذه الأرض وحصل بالفعل على خمسة أنصبة (أي 125 فدانا) وكانت أرضا خصبة كريمة بالفعل، ونمت ثروته حتى أصبح لديه 1300 فدانا وشعر بأن الحياة قد تبسمت له …

وبعد فترة من الزمن، يمر به تاجر(الشيطان) فيكرم باخوم ضيافته ، فيخبره التاجر أن قرية كذا التي تبعد عنه عشرات الأميال بها أناس سذج طيبون جدا ، هذه القرية بها أراضٍ كثيرة جدا وأنه يمكن بمبلغ بسيط أن يشتري أرضا وفيرة جدا .. ويخبره أنه اشترى 13 ألف فدان بألف روبل فقط … فيقول باخوم في نفسه وما يبقيني هنا في حين يمكنني أن أحصل على عشرة أضعاف ما أحصل عليه هنا ؟! … فيبيع كل ما لديه ويذهب إلى هذه البلدة ويطلب من أهلها شراء أرضا … فيرحب به كبراء أهل القرية ويقولون له “خذ ما يلزمك” .. لكنه يقول لا … إنني أريد أن أشتري الأرض على قدميك واكتبها باسمي … فيقولون له نحن لدينا طريقتنا الخاصة في البيع وهي أن تمشي في الأرض يوم كاملا ، وما تقطع مشيا فهو لك لكن بشرط أن تعود قبل غروب الشمس .. فيُسرُّ باخوم بهذا العرض السخي ويحمل علامات ويسير على رجليه، وجد السير ، وكلما تذكر أن كل ما سيقطعه مشيا سيؤول إليه تزيد طاقته ويمشي أكثر وأكثر ، وعندما ينتصف النهار يكون قد أنهكه التعب فيتوقف ويضع بعض العلامات ويبدأ في العودة .. إلا أنه يكتشف أن طول الأرض أكبر من عرضها ، فيذهب يمينا ويسارا ليوسعها .. لكن الوقت يمضي والتعب يبلغ به مبلغه حتى أنه جرد من ثيابه ليستطيع السير ويكمل الطريق حبوا من شدة التعب حتى بلغ مشارف القرية…

ولا يكاد يدخلها حتى تغيب الشمس فيقع مغشيا عليه من التعب! … فإذا بأهل القرية ينادون عليه أن يصعد، فالشمس ما زالت في السماء، فيكابد نفسه حتى يصعد أعلى التلة، فيقابله أهل القرية بترحاب ويقولون أنت رجل سعيد الحظ، فلم يستطع أحد قبلك أن يحصل على كل هذه الأرض … اكتبوا له هذه الأرض الواسعة …

لكن الرجل يقع ميتا من طول الطريق .. فيأمروا بأن يُحفر له في الأرض مترين ليدفن بها !! ويقولون :هذا نصيب الإنسان من الأرض
وينتهي باخوم ، وتنتهي قصة الإنسان الذي ربح كل شيء وخسر نفسه …
لكن قصته ما زالت تتكرر يوما بعد يوم ..
كم منا باخوم؟!

عن admin

شاهد أيضاً

عشرة أخطاء في التفكير

د. أسامة محمد إبراهيم  أستاذ علم النفس التربوي – جامعة سوهاج هناك الكثير من أخطاء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *