الرئيسية / ترجمات / آفاق التعليم الرقمي: استكشاف حدود استخدامات الذكاء الاصطناعي والبلوك تشين والروبوتات (OECD 2021)

آفاق التعليم الرقمي: استكشاف حدود استخدامات الذكاء الاصطناعي والبلوك تشين والروبوتات (OECD 2021)

ترجمة د. أسامة محمد إبراهيم

أستاذ علم النفس التربوي – جامعة سوهاج

مقدمة

عندما أغلقت البلدان المدارس في أوائل عام 2020 للتعامل مع جائحة كوفيد-19، أصبح التعلم رقميًا. ومنذ ذلك الحين، اندمج المعلمون والطلاب والإداريون في عمل جماعي نشط ومكثف حول التعليم الرقمي. كان هناك العديد من الجوانب السلبية الخطيرة لذلك؛ من إجهاد التعرض للشاشات وضغوط التكيف إلى معاناة الأفراد غير المعدين للتعلم الرقمي أو غير المستعدين للتعلم باستقلالية. ومع ذلك، قفزت هذه التجربة بأنظمة التعليم، التي ظلت تقليديًا متأخرة في الأمور المتعلقة بالابتكار، سنوات إلى الأمام فيما كان من الممكن أن يكون تحركها نحو التعليم الذكي بطيئَا.

على أية حال، إن الفصول الدراسية عن بعد والفصول الذكية ليسا نفس الشيء، وإنما كانت مجرد إجراء مؤقت حافظ على استمرار التعلم وعلى الممارسات التعليمية الحالية، وليس تحويلها. ونتيجة لذلك، نادرًا ما كانت فصول الدراسة عن بُعد على نفس مستوى الفصول الحضورية، مرة أخرى، لاسيما بالنسبة للطلاب الذين لا يمتلكون الوسائل – التقنية أو الذهنية – لتلقي مقررات عبر الإنترنت. قبل عامين من انتشار الوباء، أظهر المسح الدولي للتعليم والتعلم (TALIS) الذي أجرته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن نصف المعلمين فقط كانوا يسمحون للطلاب باستخدام التكنولوجيا بشكل متكرر في المشاريع أو العمل في الفصل. ولأن الحاجة أُم الاختراع، وفي غياب الفصول المادية، بدأ العديد من المعلمين في اللحاق بموجة الرقمية.

لقد حان الوقت الآن لكي تنغمس المدارس في التكنولوجيا الرقمية. فقد أحب الكثيرون إمكانات “أي وقت وفي أي مكان” التي وفرته تقنيات التعلم عن بعد. المزيد والمزيد من المعلمين يستعدون، هل التكنولوجيا جاهزة؟

وكما كشفت الأحداث، فقد أصبحت تكنولوجيا التعليم جاهزة أيضًا. تقدم لنا التوقعات الصادرة عن منظمة OECD عن التعليم الرقمي تنامي استخدامات ثلاثة مجالات من التكنولوجيا في أنظمة التعليم وهي: الذكاء الاصطناعي أو التعلم الآلي، والروبوتات، وتقنية سلسلة الكتل أو بلوك تشين Blockchain.

تتمتع البرمجيات والروبوتات الاجتماعية، التي تتغذى على تدفقات مستمرة من البيانات، بقدر كبير من القدرة على زعزعة عمليات التعليم والتعلم: إنها ليست مجرد تقنية، إنها “علم التدريس” Teachology. بينما ندرس الرياضيات باستخدام الكمبيوتر، أصبح الكمبيوتر اليوم قادرًا على دراسة كيفية دراستنا ومن ثم جعل خبرة التعلم لدينا أكثر دقة وتكيفًا وتفاعلية. يمكن للذكاء الاصطناعي، بجانب أجهزة الاستشعار وأنظمة إدارة التعلم، أن يمنح المعلمين إحساسًا حقيقيًا بمدى التباين في تعلم الطلاب المختلفين، أين يهتم الطلاب، وأين يشعرون بالملل، وأين يتقدمون، وأين يتعثرون. يمكن أن يساعد “علم التدريس” في تكييف التعلم مع احتياجات الطلاب المختلفة ويمنح المتعلمين ملكية أكبر لما يتعلمونه، وكيف يتعلمون، وأين يتعلمون، ومتى يتعلمون.

يمكن أن يساعد الذكاء الاصطناعي المعلمين، وخاصة المبتدئين، على فهم ما يحدث في غرفة الدراسة بشكل أفضل، وإبطاء التدريس أو تسريعه، أو طرح سؤال اختباري استكشافي عندما يكون هناك سكون في الفصل. يمكن لتحليلات التعلم أن تخبر المعلم الذي يحضِّر لخطة درس اليوم التالي أي الطلاب نجح في أداء الواجب المنزلي على مشتقات حمض الكربوكسيل، ومن لا يزال بحاجة إلى مراجعته. يمكن أن يأخذ روبوت الفصل الدراسي زيد وعمرو إلى ركن من الفصل وإجراء محادثة باللغة الانجليزية لمدة عشر دقائق بينما يعمل باقي الفصل على “أفعال الحركة”.

بالطبع، يساعد توظيف الذكاء الاصطناعي في عمليات التقويم والامتحانات على تحقيق قفزات كبيرة، سواء كانت التقويمات من خلال عمليات المحاكاة، أو تقويمات عملية في بيئات مهنية، أو مقالات تصحح بواسطة خوارزميات التعلم الآلي. من أكثر الأخطاء الخطيرة التي ارتكبها التعليم عندما ربط التعلم بفكرة التصنيع على مدى القرون الماضية هو فصل التعلم عن التقييم، حيث يقوم الطلاب بجمع الكثير من التعلم ثم بعد ذلك بسنوات في بعض الأحيان، يختبرون ما إذا كان بإمكانهم إعادة إنتاج بعض الأجزاء الضيقة من ذلك التعلم في غضون فترة زمنية قصيرة. يمكن للتكنولوجيا الآن إعادة دمج التعلم والتقييم، باستخدام البيانات والتغذية الراجعة في الوقت الفعلي لمساعدة الطلاب على التعلم بشكل أفضل، والتدريس بشكل أفضل، وتصبح أنظمة التعليم أكثر فعالية.

ولكن لكي ينطلق “علم التدريس” Teachology فعليًا، يجب أن يكون سهل الاستخدام. إن توافر بيانات من قبيل نسبة ما أتقنه “زيد” من موضوع وحدة المعادلات التربيعية أو ما إذا كانت عمرو قد سئم من تاريخ الرعاية الاجتماعية في فترة ما بعد الحرب لن يكون أمرًا مفيدًا إذا كان على المعلم إيقاف التدريس للرجوع إلى البيانات. يجب أن تكون البيانات سهلة الاستخدام والفهم. يمكن لوزارات التعليم تشجيع المطورين على إنشاء أدوات رقمية مناسبة وميسورة التكلفة، وقابلة للتشغيل البيني، وسهلة الاستخدام بالنسبة المعلمين والطلاب. من غير المرجح أن تيسر التكنولوجيا التعلم ما لم تكن مهنة التدريس جزءًا من تصميم تلك الأدوات.

المكون الآخر الذي يمكن أن يستفيد بشكل خاص من أدوات التعليم الذكية هم الطلاب ذوو الاحتياجات الخاصة. يمكن لمدرسي البرمجيات والروبوتات الذكية تكييف التدريس مع احتياجات التعلم الخاصة والفريدة. يمكن أن تساعد هذه الأدوات في اكتشاف وتشخيص المشكلات التي غالبًا ما يصعب رصدها، خاصة في المدرسة الابتدائية. كما يمكنها المساعدة في رسم مسارات المناهج الدراسية التي تناسب احتياجات كل طالب على نحو أفضل.

يمكن أن تساعد هذه التكنولوجيا المدعومة بالبيانات على تمهيد ميدان اللعب (في الفصل الدراسي) ولديها تطبيقات تذهب أبعد مما يحتاجه الطلاب ذوي الاحتياجات الخاصة للوضع الحالي. نحن نواجه ما قد يمثل فترة تعويضية للشباب الذين عانوا في المدرسة أثناء الوباء. إن تحديد المجال الذي يحتاجون فيه إلى المساعدة، وأين يتفوقون، هو شيء يمكن أن تدعمه تكنولوجيا التعليم الفردي.

وتعد تقنية سلاسل الكتل (أو البلوك تشين) التكنولوجيا الأكثر نضجًا من بين المجالات الثلاثة التي يغطيها التقرير، هذا على الرغم من أن تطبيقاتها ليست في التدريس والتعلم حتى هذه اللحظة. تبدو تقنية سلسلة الكتل إحدى التكنولوجيات الواعدة كنظام اعتماد موثوق به وسهل الاستخدام يمكن أن يحل محل الدرجات المعقدة والمكلفة، ويساعد في تفكيك الاحتكارات المؤسسية التي غالبًا ما تكون مصاحبة لها. ويُعد توثيق شهادات التخرج من برامج التعليم والتدريب خارج المؤسسات الأكاديمية التقليدية – مثل التدريب أثناء العمل والدورات التدريبية المفتوحة عبر الإنترنت (MOOCs) – جزءًا مهمًا من أحجية يجعلنا نقرِّب بين “التعلم مدى الحياة” و”التعلم على مستوى الحياة”. إذا كان بإمكان الجميع، بصرف النظر عن وظائفهم، تحسين مهاراتهم، وتعلم مهارات جديدة، ولديهم مؤهلات معتمدة من البلوك تشين في متناول أيديهم، فسوف يصبح تغيير الوظائف أسرع وأكثر مرونة وبدون أي عناء يذكر.

ولكن بالعودة إلى التدريس والتعلم، فإن الاستخدام الكثيف للتكنولوجيا لا يُترجَم تلقائيًا إلى نتائج تعليمية أفضل. في الواقع، أظهرت نتائج تقييم PISA الأخير لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) وجود علاقة سلبية مستمرة بين كثافة استخدام التكنولوجيا في الفصول الدراسية ومهارات القراءة الرقمية والرياضيات والعلوم لدى الأطفال الذين تبلغ أعمارهم 15 عامًا. كان أداء الطلاب الذين أمضوا وقتًا أطول في نشر أعمال على موقع مدرستهم على الويب، أو ألعاب المحاكاة في المدرسة، أو استخدام تطبيقات ومواقع الويب التعليمية، أو أداء واجباتهم المدرسية على جهاز كمبيوتر مدرسي، أسوأ في تقويم PISA من أقرانهم.

بالطبع، هناك العديد من الأسباب التي يمكن أن تفسر العلاقة بين الاستخدام الكثيف للتكنولوجيا في المدرسة وانخفاض التحصيل المعرفي. ربما يقضي الطلاب الأقل أداءً المزيد من الوقت في أداء واجباتهم المدرسية، أو أنهم يقضون وقتًا أطول على الكمبيوتر لأنهم يُوَجَّهون إلى مهام رقمية أكثر عملية أو تطبيقية. من المحتمل أيضًا أن يساعد العالم الرقمي في تطوير المعارف والمهارات التي لا يسهل الحصول عليها من خلال التقويمات الحالية. ولكن لا ينبغي أن نتجاهل احتمال أن تحل أدوات التعلم الرقمية منخفضة الجودة محل الأنشطة التعليمية القيِّمة التي يمكن القيام بها على نحو أفضل بدون الأجهزة الرقمية، أو الأنشطة التي يعرف المعلمون ببساطة كيفية القيام بها على نحو أفضل في الواقع المماثل. وأخيرًا وليس آخرًا، إن المتطلبات التي يفرضها التعلم الرقمي الفعال بشأن استقلالية الطلاب – قدرتهم على التعلم المستقل بالإضافة إلى أدائهم التنفيذي والمراقبة الذاتية – يتم التقليل من شأنها أو يُستَخَف بها بلا جدال. تدعم هذه الفرضيات حقيقة أن العلاقة بين استخدام التكنولوجيا ونتائج التعلم تختلف على نطاق واسع عبر البلدان.

من الواضح أنه لكي تعمل الروبوتات والبرمجيات المستخدمة في التدريس في الفصل والتحليلات التنبؤية وما شابه بفعالية، فإن ذلك يستلزم تغييرًا جذريًا في دور المعلمين. إن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ليست قوى سحرية، إنها مجرد مضخمات ومسرعات غير عادية تجمع بين السرعة والدقة. سيعمل الذكاء الاصطناعي على توسيع الأفكار والممارسات التعليمية والممارسات الجيدة وتضخيمها بنفس الطريقة التي ستضخم بها الأفكار والممارسات السيئة. يمكن أن يساعد الذكاء الاصطناعي في إزالة التحيز والتمييز من الممارسات التعليمية بنفس الطريقة التي يمكن أن تساعد على نشر وزيادة التحيز في الممارسات التعليمية. يمكن أن يُمكّن الذكاء الاصطناعي المعلمين من تحديد الأطفال المعرضين للخطر أو يجردهم من سلطة ممارسة إصدار أحكام بشرية. من خلال القيام بذلك، يمكن للذكاء الاصطناعي إحداث نقلة نوعية من تعلم العواقب – بمساعدة المعلمين لطلابهم على فهم من هم وماذا يريدون أن يصبحوا – إلى تعلم الارتباطات، حيث كل ما تفعله التكنولوجيا هو الالتفات إلى ما حدث مع طلاب ذوي خصائص مماثلة في الماضي. وعلى الرغم من أن التكنولوجيا محايدة أخلاقياً، إلا أنها ستكون دائمًا في أيدي اختصاصيين غير محايدين. لا تأتي المخاطر الحقيقية من الذكاء الاصطناعي بل من عواقب تطبيقه. فعندما تشير أنظمة الإنذار المبكر إلى وقوع طالب في مشكلة، فإنه ينبغي أن يكون هناك شخص ما هو من يقيِّم السبب ويساعد هذا الطالب على العودة إلى المسار الصحيح.

لطالما برع البشر في ابتكار أدوات جديدة أكثر من براعتهم في استخدام تلك الأدوات بحكمة. فقط من خلال الاستثمار في المعلمين، يمكن للتكنولوجيا تحريرهم من المهام الإدارية والتعليمية الروتينية، وتزويدهم بالفرصة والدعم ليصبحوا مدربين وموجهين ونماذج يحتذى بها وملهمين وقادة. سوف ينجح التعليم دائمًا في أداء مهمته على نحو أفضل عندما يستطيع الاحتفاظ بالمتعلم نشطًا في دائرة التعلم، ولا يُترَكون لأجهزتهم، سواء كانت خاصة بهم أم لا.

لقد أحكم الوباء قبضته على أنظمتنا التعليمية ودفعها بسرعة الضوء من القرن التاسع عشر إلى القرن الحادي والعشرين؛ بدءًا من المدارس ذات الحجم الواحد، والتي تم تصميمها على طراز المصنع، وصولاً إلى التعلم الفردي الحر أو المتحرر من النطاق. بطريقة ما، كشف الوباء عن الإمكانات الهائلة للابتكار التي كانت كامنة في أنظمة التعليم والتي غالبًا ما تهيمن عليها الهياكل الهرمية التي تكافئ الامتثال.

لكن سيتطلب تجاوز الأزمة تمهيد المزيد من ميادين التعلم من أجل الابتكار في المدارس. يمكن للحكومات أن تساعد في تعزيز الاستقلالية المهنية للمعلمين وقادة المدارس والثقافة التعاونية حيث يتم صقل الأفكار الرائعة وتشاركها. يمكن للحكومات أيضًا المساعدة في دعم الحوافز التي تُبرِز الممارسات الناجحة وتُعلي من شأنها وتزيد من الطلب عليها. لكن الحكومات وحدها لا يمكنها أن تفعل الكثير. لقد نجح وادي السيليكون لأن الحكومات هيأت الظروف للابتكار، وليس لأن الحكومات تقوم بالابتكار. وبالمثل، لا تستطيع الحكومات الابتكار في الفصول الدراسية؛ فقط يمكنها المساعدة من خلال فتح الأنظمة بحيث يكون هناك مناخ مبني على الأدلة وصديق للابتكار حيث يمكن للأفكار التحويلية أن تزدهر. وهذا يعني تشجيع الابتكار داخل النظام وفتحه للأفكار الإبداعية من الخارج.

كيف نعرف ما إذا كانت أنظمة التعليم أصبحت منفتحة للتجديد؟ عندما تتواصل أنظم التعليم بشأن الحاجة إلى التغيير وتجهيز الدعم له؛ عندما تستثمر نظم التعليم في تنمية القدرات ومهارات إدارة التغيير؛ وعندما تشير إلى أن المعلمين لا يطبقون الابتكارات التكنولوجية والاجتماعية بسلبية، بل يشاركون في تصميمها؛ وعندما تسهل على المبتكرين المخاطرة وإخراج أفكار جديدة؛ وعندما تساعد المبتكرين على إيجاد طرق أكثر فاعلية لتوسيع نطاق تقنياتهم ونشرها.

لقد تعلمنا دروسًا كثيرة أثناء الوباء. ومن الرائع ألا ننسى هذه الدروس عندما تعود الأمور إلى سالف عهدها. إن الذكاء الاصطناعي والروبوتات والبلوك تشين جميعها مهيأة لتغيير طريقة تدريسنا وتعلمنا وإدارة المدارس. إن التكنولوجيا جاهزة، لكن هل نحن أيضًا جاهزون؟ لقد ألجأنا إغلاق المدارس إلى الغوص في أعماق الرقمية ولم يكن الأمر سيئًا بالنسبة لبعض الطلاب والمعلمين. مع أدوات التعليم الذكية سريعة التطور التي يناقشها التقرير، قد يكون الكثير منا على استعداد لأخذ زمام المبادرة بشكل كامل.

أندرياس شلايشر

 

Source: Digital Education Outlook: Pushing the frontiers with AI, blockchain, and robots © OECD 2021

عن admin

شاهد أيضاً

ثقافة جديدة للتعلم: صقل الخيال لعالم من التغيير المستمر

د. أسامة محمد إبراهيم  أستاذ علم النفس التربوي – جامعة سوهاج عادة، عندما نفكر في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *